سارة الشهري
هناك متعة صغيرة لا تُشترى، حين نصل إلى مكتبنا فنجد ورقة صفراء لاصقة كُتب عليها: صباح الخير، يومك جميل. وحين نعثر بين صفحات كتاب قديم على ملاحظة بخط يد صديق، أو بطاقة كتبها أحد أفراد العائلة في مناسبة عابرة. تلك الخربشات البسيطة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تحمل شيئاً من صاحبها، ملامح شخصيته، وهدوءه أو استعجاله، وحتى حالته المزاجية. لذلك كنا نحتفظ بها سنوات، لأن الخط كان جزءاً من الذكرى، لا مجرد وسيلة لكتابتها.
اليوم، لو طلب منا أحد أن نكتب فقرة كاملة بخط اليد، فربما ترددنا قليلاً! ليس لأننا نسينا الكتابة، بل لأننا هجرنا القلم حتى أصبح ضيفاً لا نستدعيه إلا عند توقيع معاملة أو ملء نموذج سريع. ومع مرور الوقت فقدت أصابعنا مرونتها، وأصبح الخط متعثراً، متداخلاً، حتى بتنا نمزح بأن خطوطنا تنافس وصفات الأطباء في صعوبة قراءتها.
السبب لا يعود إلى أن خطوطنا كانت سيئة منذ البداية، بل لأن المهارة التي لا تُمارس تضعف. فكما تضعف العضلات عند قلة الحركة، تتراجع مهارة الكتابة اليدوية عندما نستبدلها بلوحة مفاتيح الهاتف والأجهزة اللوحية. لقد اعتادت أصابعنا على النقر والتمرير، وابتعدت عن رسم الحروف، حتى أصبحت الشاشة تعرف خطوطنا أكثر من الورق.
ورغم أن التكنولوجيا اختصرت الوقت وسهلت حياتنا، فإنها لم تستطع أن تمنحنا كل ما تمنحه الكتابة بالقلم. فالكتابة على الورق ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي عملية ذهنية متكاملة، إذ تُظهر أبحاث في علم الإدراك أن الكتابة اليدوية تنشط شبكات متعددة في الدماغ تربط بين البصر والحركة والانتباه، مما يساعد على معالجة المعلومات بعمق أكبر ويزيد من فرص انتقالها إلى الذاكرة طويلة الأمد. ولهذا ينصح كثير من المختصين الطلاب بتدوين الملاحظات بأيديهم، لا بالاكتفاء بكتابتها على الأجهزة.
وللكتابة على الورق ميزة أخرى نفتقدها في عصر السرعة، فهي تُبطئ إيقاعنا قليلاً، وتجبرنا على التفكير قبل كتابة الكلمة التالية. لذلك نجد أن الأفكار في الدفاتر غالباً أكثر ترتيباً، والمشاعر في الرسائل المكتوبة بخط اليد أكثر صدقاً ودفئاً من أي رسالة إلكترونية مهما ازدانت بالرموز التعبيرية.
أما استعادة علاقتنا بالقلم، فلا تحتاج إلى قرار كبير، بل إلى عادات صغيرة. أن نكتب قائمة المشتريات بأيدينا، أو ندوّن خواطرنا في مفكرة، أو نرسل بطاقة تهنئة بخطنا، أو نخصص عشر دقائق يومياً للكتابة الحرة. والأجمل من ذلك أن نغرس هذه العادة في أطفالنا، بتشجيعهم على كتابة يومياتهم، وتأليف القصص القصيرة، وحل الألغاز على الورق، وتبادل الرسائل داخل المنزل، بدلاً من أن تكون شاشات الأجهزة هي الوسيط الوحيد بينهم وبين الكلمات.
قد لا نستطيع الاستغناء عن التكنولوجيا، ولا ينبغي لنا ذلك، لكن بإمكاننا ألا نجعلها تستغني عن القلم نيابةً عنا. فربما كان أجمل توقيع نتركه في حياتنا، ليس ذلك الذي نضعه على المعاملات، بل الخط الذي يبقى شاهداً على أفكارنا وذكرياتنا، ويقرأه من بعدنا بسهولة، لا كما تُقرأ وصفة طبيب!