أحمد الأسمري
يحمل باب المندب في اسمه، وفق روايات كثيرة، معنى الندب والحزن، حتى عُرف بـ«باب الدموع». واليوم تلوّح المليشيا الحوثية بالنار عنده، من دون أن تدرك أن من يزرع القلاقل ويمارس القرصنة في هذا الممر سيكون أول من ينال نصيبه من الدموع والندب.
الجماعة الانقلابية أعلنت ما سمته «حظراً بحرياً» على السعودية، وهددت السفن التي تتعامل مع موانئها، في تصعيد يهدد حرية الملاحة في مياه شديدة الأهمية، تعبرها مصالح حيوية لدول وشعوب.
يتوهم الحوثيون أن إشاعة الخوف تمنحهم قوة لا يملكونها. غير أن تكلفة هذا العبث لا تبقى في البحر؛ فحين تتردد سفينة في العبور، أو ترفع شركة تأمين مبالغ التغطية، أو تقرر ناقلة الدوران حول أفريقيا، تنتقل فاتورة التهديد إلى الأسواق والمصانع والبيوت، وتطول الرحلات وترتفع تكلفة كل شيء تحمله السفن.
أما حديثهم عن «الحصار»، فيختصر واحداً من أكثر مشاهد الحرب سوداويةً. فالمليشيا التي عطلت موارد اليمن، وهاجمت موانئ تصدير نفطه، وحولت سواحله إلى منصات ترويع، تقدم نفسها اليوم مدافعاً عن اليمنيين، فيما تجعل من البحر مصدر خطر جديد عليهم أكثر مما هو على جوارهم.
خلف هذا التصعيد، تبدو الصورة أوسع من تهديد حوثي. ففي البوابة الغربية لشبه الجزيرة العربية تلوّح ذراع إيران بالنار عند باب المندب، بينما تضغط طهران عند بوابتها الشرقية عبر مضيق هرمز، في محاولة لوضع المنطقة بين ممرين ملتهبين، وتعويض ما تعجز عن تحقيقه في المواجهة المباشرة بإرباك التجارة والطاقة وحياة الناس.
تكشف الأرقام حجم الخطر؛ ففي عام 2024 مرّ عبر هرمز ما يعادل نحو 20 % من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ونحو 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. أما باب المندب، فكان في النصف الأول من عام 2023، ممراً لنحو 12 % من تجارة النفط المنقولة بحراً و8 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب سفن الحاويات والسلع الحيوية بين آسيا وأوروبا وغيرهما.
إيران، بعدما ضاقت أمامها خيارات المواجهة، نقلت جانباً من معركتها إلى البحر، وسعت لتحويل الممر الذي تعبر منه طاقة الخليج العربي إلى سلاح اقتصادي يضغط على العالم كله. وقد وصف محسن رضائي أهمية هرمز الاستراتيجية بأنها تتجاوز عشرات القنابل الذرية، في تعبير يكشف مقدار الرهان على المضيق بوصفه ورقة حرب لا مجرد ممر مائي.
ولا يحتاج هرمز إلى أن يُغلق تماماً حتى يبدأ الضرر. يكفي أن تُستهدف ناقلة، أو تنتظر السفن أياماً قبل المغامرة بالعبور، أو ترتفع أسعار التأمين. عندها يصبح المضيق مفتوحاً على الخريطة، لكنه شبه مغلق في حسابات التجارة. من هنا تبدأ سلسلة لا نشاهدها كاملة: تتراجع حركة النفط، فترتفع الأسعار، ثم تزيد تكلفة النقل والطيران والصناعة، وتصل فاتورة الحرب إلى أسر لا تعرف موقع المضيق إلا من نشرات الأخبار.
المملكة تدرك خطورة الضغط على الممرات المائية، وقد منحتها مشروعاتها الاستراتيجية وتعدد منافذها وخطوط نقل الطاقة قدرة واسعة على الحركة. لكنها أوضحت أيضاً أن حماية سفنها وموانئها ليست موضع مساومة، وأن أي تهديد سيُواجَه بسرعة وحزم.
هرمز وباب المندب ليسا خطين ضيقين على الخريطة. الأول بوابة الخليج إلى العالم، والثاني بوابة البحر الأحمر إلى المحيط. وإذا اشتعلا معاً، فإن النار لا تبقى فوق الماء، بل تمتد آثارها إلى كل بيت.