أنور الدوامي
من مقولة «إعطاء كل ذي حقٍ حقه» ظهر معي مرادف «إعطاء كل ذي وقتٍ وقته».
سبحان الله... كثير منا ينشغل أثناء انشغاله، فيجمع بين عملين أو أكثر، فلا يعطي الأول حقه، ولا ينال من الثاني فائدته كاملة. والنتيجة غالبًا ليست إنجازا مضاعفا، بل جودة أقل، وتركيز مشتت، ومتعة مفقودة.
فعلى سبيل المثال تجد من هو بجانبك في النادي يمشي على جهاز السير وهو يتابع مقاطع، أو يرد على الرسائل، أو يجري مكالمات، أو يستمع إلى بودكاست. فيظن أنه استثمر وقته مرتين، لكنه في الواقع مثل «معايد القريتين» لم يعط الرياضة جهدها الكامل، ولم يعط ما يشاهده او يستمع إليه إنصات كافي وتمعن نقي ليستوعبه ويستخلص معلومة أو فائدة ترسخ في ذهنه أو قرار يتخذه بذهن صاف.
كما أنه بالتأكيد فوّت على نفسه لحظة هدوء يحتاجها العقل والجسد، لحظة يصفو فيها الذهن، ويتنفس الجهاز العصبي من ضغوط اليوم.
ويقاس على ذلك كثير من مواقف الحياة؛ فالموظف الذي يعمل وهو منشغل بأمور أخرى لا يمنح عمله حقه، والطالب الذي يذاكر وبين يديه الهاتف أو أي ملهيات لا يمنح علمه التركيز الذي يستحقه، والقارئ أو الكاتب الذي يقاطع نفسه باستمرار يفقد عمق الفكرة والمتعة وجودة الإنتاج، فكما قال المثل الشعبي صاحب البالين كذاب.
أما قيادة المركبات فهي حالة مختلفة تمامًا؛ فالانشغال فيها بالمكالمات أو المراسلات أو مشاهدة المقاطع ليس فقط مجرد تشتت، فهذا فضلاً عن انه عدم إعطاء الطريق حقه بوقت مستقل والاستمتاع بالقيادة لوحدها فهو مساهمة في انتاج كوارث محتملة.
مني رجاء لمن يقود الآلة أياً كانت طيارة سيارة دباب أو غيره إعطاء الطريق حقه كافيا وافيا كاملا مكملا بصفاء ذهن، فسلامة الأرواح أولى من أي رسالة أو مكالمة يمكن تأجيلها دقائق.
وفي المقابل، عندما تشاهد برنامجا، أو تستمع إلى بودكاست، أو تعلم طفلا، أو تناقش أحدًا في أمر مهم، فأعطِ ذلك وقته كاملًا. فالإنصات الحقيقي، والحضور الذهني، والاهتمام الصادق، هي التي تصنع الفائدة وتبني الأثر.
إن إعطاء كل عمل حقه ليس مجرد أسلوب لتنظيم الوقت، بل هو أسلوب لتنظيم العقل والجهاز العصبي أيضًا، فعندما ينشغل الذهن بمهمة واحدة، يقل التوتر، ويزداد التركيز، وترتفع جودة الأداء، ويشعر الإنسان بمتعة الإنجاز بدل الإرهاق بالتشتت.
ربما لا نحتاج إلى زيادة ساعات يومنا بقدر حاجتنا إلى أن نُحسن توزيع انتباهنا. فليس المهم أن نفعل أشياء كثيرة في وقت واحد، بل أن نفعل الشيء الصحيح في وقته الصحيح، وبالحضور الذي يستحقه. عندها فقط نعطي كل ذي وقتٍ وقته، وكل ذي حق حقه.
ونختم بالحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ).