د. غالب محمد طه
قبل سنوات، كان السؤال الذي يتردد في كثير من البيوت: كيف نحمي أبناءنا من الإنترنت؟ كانت المخاوف تدور حول ما يشاهدونه، ومن يتواصل معهم، وما قد يواجهونه خلف الشاشات. أما اليوم، فلم تعد المخاوف تقف عند حدود المحتوى، بل امتدت إلى الخوارزميات التي تشكل القناعات، وإلى الصور والمقاطع التي يصعب التمييز فيها بين الحقيقة والزيف. ولهذا أصبح السؤال مختلفاً: من يحمي من يصنع وعيهم كل يوم؟
لا يبدأ تشكيل القناعات من شاشة الهاتف، بل يبدأ غالباً داخل المنزل، في كلمة تقولها أم، أو معلمة، أو إعلامية، أو باحثة، أو صانعة محتوى يتابعها الآلاف. ولهذا فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على من يستخدم التقنية، بل يجب أن يمتد إلى من يصنع الوعي في محيطه.
اعتدنا أن ننظر إلى المرأة بوصفها مستخدمة للتقنية: هل تتقن التطبيقات؟ هل تعرف أدوات الذكاء الاصطناعي؟ لكن هذا السؤال، على أهميته، ليس هو الأهم. فالمشكلة لا تبدأ من طريقة الاستخدام، بل من القدرة على فهم ما يقدمه التطبيق، ولماذا يقدمه.
الخوارزميات لا تعرض المحتوى بالصدفة. إنها ترتب ما نراه، وتقترح ما نقرأ، وتدفعنا إلى ما يجعلنا نبقى أطول وقت ممكن أمام الشاشة. وحين تدرك المرأة كيف تعمل هذه الآليات، فإنها لا تحمي نفسها وحدها، بل تحمي دائرة كاملة ممن يتأثرون بخياراتها اليومية: أبناءها، طالباتها، جمهورها. فالمرأة في كثير من البيئات ليست مجرد مستخدمة للتقنية، بل هي حارسة للوعي داخل الأسرة والمجتمع.
أما في سياقنا العربي، فالقصة مختلفة. المرأة هنا ليست مجرد مستقبلة للمحتوى، بل هي من أهم ناقلي القيم والخبرات داخل الأسرة، وغالباً ما تكون الجسر بين القيم الموروثة والتحولات الرقمية المتسارعة.
في مجتمعاتنا، تنتقل المعرفة والتقاليد عبر الأمهات والجدات، وهن من يرسمن الملامح الأولى لوعي الأطفال قبل أن تبدأ المدرسة أو الإعلام في تشكيله. وهذا يعني أن الخطر لا يقتصر على التزييف العميق، بل يمتد إلى قدرة الخوارزميات على اختراق هذا النسيج الثقافي الدقيق. حين تصل معلومة مضللة إلى أم، ثم تنقلها إلى أبنائها بثقة، فإن التضليل لا يمر عبر القناة الإعلامية فقط، بل عبر قناة الثقة الأسرية ذاتها. وهذا يجعله أكثر رسوخاً وأصعب في التصحيح.
لكن حين تمتلك الأم أو المعلمة أو الإعلامية أدوات التحقق والحس النقدي، فإنها لا تحمي نفسها فحسب، بل تصبح خط الدفاع الأول عن وعي أسرتها ومجتمعها.
لهذا تبدو الحاجة إلى الوعي الرقمي عند المرأة مختلفة. فهي لا تمارس تأثيراً فردياً، بل تأثيراً مركباً يتسع كلما اتسعت مسؤولياتها الاجتماعية. ما تقرره من مشاركة خبر، أو تصديق مقطع، أو إعادة نشر معلومة، قد يتحول إلى قناعة عند آخرين يثقون بها أكثر مما يثقون بالمصدر الأصلي. والقاسم المشترك بين أدوارها المختلفة ليس المهنة، بل القدرة على تشكيل وعي الآخرين.
ولا يعني ذلك أن مسؤولية الوعي تقع على المرأة وحدها، لكنها تؤدي، في كثير من البيئات، دوراً محورياً في تشكيل الوعي اليومي.
وربما لهذا السبب، لا يكفي أن تختزل برامج التوعية في تعليم استخدام التطبيقات. فالمهارة التقنية يمكن تعلمها في ساعات، أما الحس النقدي فلا يتكون إلا بالممارسة، وبالقدرة على التوقف قبل التصديق، والسؤال قبل المشاركة.
ومع اتساع حضور المرأة السعودية خلال السنوات الأخيرة في التعليم والإعلام وريادة الأعمال والعمل المجتمعي، اتسعت كذلك دائرة تأثيرها في تشكيل الوعي. وهذا يجعل الوعي الرقمي جزءاً من مسؤولياتها، لا مهارةً إضافية. فالتأثير لم يعد يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة صاحبه على حماية الثقة التي منحه الناس إياها.
ليست القضية أن تصبح المرأة خبيرة في الذكاء الاصطناعي. المطلوب أن تمتلك القدرة على مساءلة ما يصل إليها. أن تدرك أن كل محتوى لا يستحق أن يُصدَّق، وكل مقطع لا يستحق أن يُشارك، وكل توصية تقدمها الخوارزمية لا تعني أنها الأفضل لها أو لأسرتها.
وحين ننجح في بناء هذا النوع من الوعي، فإننا لا نكون قد دربنا مستخدمة جديدة للتقنية، بل نكون قد دعمنا واحدة من أهم القوى التي تشكل الوعي داخل المجتمع. فالخوارزميات تستطيع أن تقترح المحتوى، لكنها لا تستطيع أن تربي الضمير، ولا أن تغرس قيمة التثبت، ولا أن تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي في الوعي الرقمي لا يبدأ بالتقنية، بل بالإنسان الذي يصنع وعي الآخرين. وإذا كانت المرأة تؤدي هذه المهمة في كثير من البيئات، فإن تمكينها معرفياً وأخلاقياً وتقنياً لم يعد قضية تخص المرأة وحدها، بل قضية تخص المجتمع بأكمله.
فالخوارزميات قد تصنع الانتشار، لكنها لا تصنع البصيرة. والبصيرة التي تُبنى داخل الأسرة تمتد آثارها إلى المدرسة والمجتمع والأجيال اللاحقة. والوعي الذي يستقر لدى من يصنع وعي الآخرين، لا يحمي جيلاً واحداً، بل يصنع مستقبلاً أكثر وعياً.