إبراهيم بن يوسف المالك
تستحق الأحداث الكبرى أن تُقرأ بما هو أبعد من تفاصيلها المباشرة، فالضربات السعودية الأخيرة ليست مجرد تطور أمني جديد في منطقة اعتادت التوتر، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق يتعلق بالعلاقة بين السيادة والاقتصاد. فالتاريخ يخبرنا أن الاقتصاد لا ينهار أولًا بسبب نقص الموارد، بل بسبب اضطراب الدولة وفقدانها القدرة على احتكار القرار.
ولهذا فإن مستقبل أي اقتصاد لا يبدأ عند الموازنات العامة أو مؤشرات النمو، بل يبدأ عند سؤال أكثر جوهرية: من يملك القرار؟ وهل تستطيع الدولة أن تفرض سلطتها على كامل أراضيها، أم أن القرار موزع بين مؤسساتها الرسمية وبين قوى أخرى تمتلك السلاح والنفوذ كما هي العراق؟
هذه ليست قضية سياسية مجردة، بل قضية اقتصادية بامتياز. فالمستثمر لا يقرأ البيانات المالية وحدها، وإنما يقرأ البيئة التي تعمل فيها تلك الأرقام. يقرأ استقرار المؤسسات، ووضوح القرار، وقدرة الدولة على حماية البنية التحتية وسلاسل الإمداد وفرض القانون على الجميع دون استثناء.
ومن هذا المنطلق، يصبح ما يجري في العراق قضية تتجاوز حدوده، فالعراق يمتلك ثروات طبيعية ضخمة وإمكانات اقتصادية كبيرة، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديًا يتعلق بتعدد مراكز القوة، فوجود الحشد الشعبي وفصائل وميليشيات مسلحة خارج الإطار التقليدي لاحتكار الدولة لاستخدام القوة يثير نقاشًا واسعًا حول قدرة المؤسسات الرسمية على الانفراد بالقرار الأمني والسيادي، وهذا النقاش لا يخص السياسة وحدها، بل ينعكس أيضًا على بيئة الاستثمار وثقة الأسواق وقدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي طويل المدى.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن النفوذ الإيراني في المنطقة، فإيران تُعد فاعلًا إقليميًا مؤثرًا، ويُنظر إلى علاقاتها مع عدد من الجماعات المسلحة في دول عربية باعتبارها أحد عناصر المشهد الجيوسياسي الحالي، وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية، فإن استمرار هذا الواقع يفرض على اقتصادات المنطقة كلفة إضافية تتمثل في ارتفاع المخاطر، وتعقيد بيئة الأعمال.
والواقع أن الاقتصاد لا يميز بين أسباب المخاطر، فهو يتعامل مع نتائجها، وكلما أصبح القرار أقل وضوحًا، ارتفعت تكلفة التمويل، وزادت أقساط التأمين، وتأخرت الاستثمارات، حتى وإن كانت الدولة تمتلك موارد ضخمة وفرصًا واعدة.
لهذا فإن مفهوم السيادة لم يعد مجرد مصطلح دستوري، بل أصبح أصلًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن رأس المال أو البنية التحتية، فالدولة التي تحتكر قرارها تستطيع أن تبني سياسات اقتصادية مستقرة، بينما تدفع الدول التي تتعدد فيها مراكز القرار ثمنًا اقتصاديًا يتجاوز بكثير كلفة الخلافات السياسية كما هو العراق ولبنان.
وفي المقابل، فإن قراءة الموقف السعودي ينبغي ألا تقتصر على الجانب العسكري، فالمملكة اليوم تقود إلى جانب ذلك أحد أكبر برامج التحول الاقتصادي في العالم، وتستثمر مئات المليارات في مشاريع طويلة الأجل تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانتها العالمية، ومن الطبيعي أن يصبح استقرار البيئة الإقليمية جزءًا من معادلة حماية تلك المكتسبات، لأن الاقتصاد الحديث يعتمد على الثقة بقدر اعتماده على رأس المال.
كما أن السعودية لم تعد لاعبًا اقتصاديًا يقتصر أثره على حدوده الوطنية، فهي أحد أهم موردي الطاقة للأسواق العالمية، وشريك رئيس في التجارة والاستثمار، وأي تهديد يطال أمن منشآتها الحيوية أو استقرار محيطها لا يبقى شأنًا محليًا، بل يمتد أثره إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين في المنطقة بأسرها.
ومن هنا يمكن فهم الأحداث الأخيرة ضمن سياق أوسع، فالنقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بالرد على حادثة بعينها -على أهمية وضرورة ذلك- بل بالسؤال عن الكيفية التي تحمي بها الدول بيئة التنمية عندما تواجه تحديات أمنية متكررة، فحماية الاقتصاد لا تبدأ بعد وقوع الأزمة، وإنما تبدأ بالحفاظ على مؤسسات الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار وإنفاذه.
ولعل أهم ما تكشفه التطورات الإقليمية أن الاقتصاد والأمن ليسا مسارين منفصلين، فلا تنمية مستدامة بلا استقرار، ولا استقرار بلا دولة قادرة، ولا دولة قادرة إذا أصبح قرارها موزعًا بين أكثر من مركز قوة.
ولهذا، فإن الحدث الأخير يمكن أن يُقرأ باعتباره تذكيرًا بأن قوة الاقتصادات الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ناتجها المحلي أواحتياطياتها المالية، بل أيضًا بقدرة مؤسساتها على حماية القرار الوطني وصون الاستقرار الذي تقوم عليه التنمية، فالاقتصاد قد يبدأ بالأرقام، لكنه لا يستمر إلا عندما تكون الدولة قادرة على أن تكون صاحبة القرار الأول والأخير داخل حدودها وذلك بعدم وجود قوى عسكرية خارج سلطة الدولة.