عبد العزيز بن صالح الفريدي
مع نهاية كل عام دراسي، تتجه أنظار آلاف الأسر إلى نتائج الثانوية العامة، وكأنها تقف أمام بوابة فاصلة بين مرحلتين؛ مرحلة الدراسة المدرسية، ومرحلة رسم المستقبل. وفي هذه اللحظة، تبدأ الأسئلة الكبرى في الظهور: أي جامعة؟ وأي تخصص؟ وأي مهنة ستكون الأقرب إلى طموح الابن أو الابنة؟ هذه الأسئلة لا تخص الطالب وحده، بل تشغل الأسرة والمجتمع والدولة، لأنها ترتبط بمستقبل الإنسان، وبقدرة الوطن على إعداد كوادر تلبي احتياجات التنمية، وتواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل.
لقد تغير العالم كثيرًا، ولم تعد الوظائف كما كانت قبل عقد من الزمن، كما أن كثيرًا من المهن التي يقبل عليها الشباب اليوم قد تتغير طبيعتها خلال سنوات قليلة بفعل الثورة التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. في المقابل، تظهر كل يوم فرص جديدة تتطلب مهارات مختلفة، وقدرات تتجاوز حدود المعرفة الأكاديمية إلى الإبداع، والعمل الجماعي، والقدرة على التعلم المستمر.
في المملكة العربية السعودية، تتسارع وتيرة التحول مع مشاريع رؤية 2030، التي فتحت مجالات واسعة أمام أبناء الوطن في الصناعة، والسياحة، والتقنية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والترفيه، وريادة الأعمال، وغيرها من القطاعات التي لم تكن قبل سنوات تمثل هذا الحضور الكبير في الاقتصاد الوطني.
غير أن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل يمتلك طالب المرحلة الثانوية المعرفة الكافية التي تمكنه من اختيار التخصص الذي يتوافق مع احتياجات سوق العمل؟ وهل أتيحت له فرصة حقيقية ليرى بنفسه طبيعة المهنة التي يخطط لأن يقضي فيها سنوات عمره؟
في كثير من الأحيان، يكون الاختيار مبنيًا على الانطباعات، أو على رغبة الأسرة، أو على ما يراه الطالب شائعًا بين أقرانه، بينما تبقى الصورة الحقيقية للمهنة غائبة عنه. لذلك لا نستغرب أن يغيّر بعض الطلاب تخصصاتهم بعد سنوات من الدراسة، أو أن يتخرجوا ليكتشفوا أن ما درسوه لا ينسجم مع ميولهم أو مع متطلبات السوق. من هنا، تبرز فكرة أرى أنها تستحق الدراسة والتبني، وهي إطلاق برنامج وطني يتيح لطلاب المرحلة الثانوية قضاء فترات تدريبية قصيرة داخل منشآت القطاع الخاص، تحت إشراف منظم، وبالتنسيق بين وزارة التعليم والجهات الحكومية ذات العلاقة والقطاع الخاص. لا نتحدث هنا عن عمل وظيفي، وإنما عن تجربة معرفية وميدانية، يعيش فيها الطالب يومًا أو أسبوعًا أو أكثر داخل مستشفى، أو مصنع، أو شركة تقنية، أو مؤسسة إعلامية، أو مكتب هندسي، أو بنك، أو منشأة سياحية، ليرى بعينه كيف تُدار الأعمال، وكيف تُبنى الفرق، وما المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل، وما طبيعة التحديات اليومية التي تواجه العاملين. مثل هذه التجربة ستمنح الطالب ما لا تستطيع الكتب أن تمنحه؛ فهمًا واقعيًا للحياة المهنية، وإدراكًا مبكرًا لمسؤوليات العمل، وقدرة على اتخاذ قرار أكثر وعيًا بشأن مستقبله الجامعي والمهني، كما أنها ستغرس في نفوس الشباب قيمًا يحتاجها سوق العمل اليوم، مثل الانضباط، واحترام الوقت، والعمل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، وهي قيم لا تقل أهمية عن المعرفة الأكاديمية.
وللقطاع الخاص دور مهم في إنجاح مثل هذه المبادرات، ليس فقط من منطلق مسؤوليته الاجتماعية، وإنما لأنه سيكون شريكًا في إعداد الكفاءات الوطنية التي سيستفيد منها مستقبلًا. كما أن المؤسسات التعليمية ستجد في هذه التجربة وسيلة عملية لتعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية.
إن الاستثمار في الإنسان يبدأ من حسن توجيهه، ولا يوجد توجيه أفضل من أن يكتشف الشاب بنفسه طبيعة الطريق الذي يريد أن يسلكه. فعندما يختار الطالب تخصصه وهو مدرك لما ينتظره في سوق العمل، فإنه يكون أكثر قدرة على النجاح، وأكثر استعدادًا للعطاء، وأقرب إلى تحقيق طموحه وطموح وطنه.
لقد نجحت المملكة في بناء مشاريع عملاقة، وأطلقت برامج تنموية طموحة، وأعادت تشكيل اقتصادها برؤية واضحة للمستقبل. واليوم، يبقى الاستثمار في توجيه أبنائنا منذ المرحلة الثانوية واحدًا من أهم الاستثمارات التي ستؤتي ثمارها على المدى البعيد، لأن بناء الاقتصاد يبدأ ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ بحسن الاختيار.