د.شريف بن محمد الأتربي
حين يصدر نظام جديد للتعليم، ينصرف اهتمام كثيرين إلى تعداد مواده أو مقارنة ما جاء فيه بما سبقه من أنظمة ولوائح، غير أن الأنظمة الكبرى لا تُقاس بعدد موادها، بل بما تحمله من رؤية، وبما تفتحه من آفاق للتطوير، وبقدرتها على إحداث أثر حقيقي في الميدان.
ومن هذا المنطلق، فإن نظام التعليم العام يمثل نقلة مهمة في مسيرة التعليم بالمملكة، ليس لأنه أعاد تنظيم العلاقة بين أطراف العملية التعليمية فحسب، بل لأنه نقل التعليم من مرحلة إدارة العمليات اليومية إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة تتمحور حول جودة التعليم، وجودة المخرجات، وجودة الإنسان الذي تسعى المدرسة إلى بنائه.
لقد رسخ النظام التعليم باعتباره حقًا تكفله الدولة، ومسؤولية وطنية تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والقطاع الخاص، وهذه النظرة تتوافق مع التجارب التعليمية العالمية التي لم تعد ترى أن مسؤولية التعليم تقع على المدرسة وحدها، وإنما تعتبره مشروعًا مجتمعيًا تتكامل فيه الأدوار وتتشابك فيه المسؤوليات.
كما وضع النظام إطارًا تشريعيًا موحدًا ينظم العلاقة بين جميع أطراف المنظومة التعليمية، ويعزز الحوكمة، ويوضح الحقوق والواجبات، ويرفع مستوى الشفافية والمساءلة، وهو ما يمنح الاستقرار التنظيمي الذي تحتاج إليه أي عملية تطوير مستدامة.
ومن أبرز ما يلفت النظر في النظام المكانة التي منحها للمعلم، إذ لم يعد يُنظر إليه باعتباره ناقلًا للمعرفة، بل شريكًا في صناعة المستقبل، وقائدًا للعملية التعليمية، ومسؤولًا عن بناء شخصية الطالب، وتنمية قدراته، واكتشاف مواهبه، وترسيخ القيم، والالتزام بأخلاقيات المهنة، إلى جانب التطوير المهني المستمر الذي أصبح جزءًا أصيلًا من ممارسة التعليم، وليس نشاطًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه.
وهذه الرؤية تتجسد عمليًا فيما يقدمه المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي من برامج نوعية في التخطيط للتدريس، والتصميم التعليمي، وإدارة البيئة الصفية، والتقويم، والتدريس الفعال، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وغيرها من البرامج التي تعكس حجم الاستثمار الوطني في بناء معلم قادر على مواكبة متغيرات العصر.
ولم يغفل النظام البيئة التعليمية، فأكد أهمية توفير بيئة مدرسية آمنة وصحية ومحفزة، تشمل المباني المناسبة، والخدمات الصحية، والنقل، والتغذية، والخدمات المساندة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن جودة التعلم لا تتشكل داخل الكتاب الدراسي فقط، بل تتأثر بكل ما يحيط بالطالب داخل المدرسة.
كما أولى النظام اهتمامًا واضحًا بحقوق الطالب، ومراعاة الفروق الفردية، وتوفير بيئة تعليمية تحفظ كرامته، وتدعم نموه، وتحميه من جميع أشكال الإساءة، إلى جانب تعزيز دور الأسرة باعتبارها شريكًا أساسيًا في نجاح العملية التعليمية، وتنظيم مشاركة القطاع الخاص بما يوسع فرص الاستثمار والابتكار في التعليم.
ولعل من أهم ما يميز النظام أيضًا أنه فتح الباب أمام التحول الرقمي والابتكار، وربط التعليم بمتطلبات المستقبل، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تنظر إلى التعليم بوصفه أحد أهم محركات التنمية الوطنية.
ومع كل هذه المرتكزات، يبقى السؤال الأهم: كيف نحول هذه المبادئ إلى أثر ملموس داخل المدرسة؟
الإجابة تكمن في أن الأنظمة تضع الإطار، أما النتائج فتصنعها السياسات التنفيذية وآليات التطبيق.
فعندما يؤكد النظام أهمية التطوير المهني، فإن التطبيق يستطيع أن يجعل لكل برنامج تدريبي مؤشرات أداء واضحة تقيس أثره قبل التدريب وأثناءه وبعده، بحيث لا يقتصر التقييم على عدد البرامج المنفذة أو عدد المستفيدين، بل يمتد إلى قياس التغير في الممارسات الصفية، وتحسن تعلم الطلاب، واستدامة أثر التدريب بعد أشهر من تطبيقه.
وعندما ينص النظام على المعايير المهنية لمزاولة مهنة التعليم، فإن ذلك يتيح مساحة واسعة لتطوير أدوات التحقق من هذه المعايير، من خلال المقابلات المهنية المنظمة، والمحاكاة الصفية، وتقييم مهارات التواصل، والذكاء العاطفي، والقدرة على إدارة المواقف التعليمية، دون الحاجة إلى تعديل النصوص النظامية، بل من خلال تعميق تطبيقها بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية.
كما أن الحديث عن جودة التعليم يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم توزيع المعلمين، بحيث لا يكون الهدف سد الاحتياج فقط، وإنما تحقيق أفضل مواءمة بين خصائص المعلم ومتطلبات المرحلة الدراسية، فالمعلم الذي يبدع مع أطفال الصفوف الأولى قد لا يكون هو الأنسب للمرحلة الثانوية، والعكس صحيح. والأنظمة التعليمية المتقدمة تولي هذه المواءمة اهتمامًا كبيرًا لأنها تؤمن بأن نجاح المعلم يرتبط بقدرته على التعامل مع خصائص الفئة العمرية التي يعلمها.
ومن الجوانب التي يمكن تعظيمها كذلك الاستفادة من البيانات التعليمية الضخمة التي تمتلكها المنظومة، بحيث ترتبط نتائج التطوير المهني، وتقويم الأداء، ونتائج الطلاب، واحتياجات المدارس، في منظومة معلومات متكاملة تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وتوجيه البرامج التدريبية نحو الاحتياجات الفعلية، وقياس العائد الحقيقي من الاستثمار في التعليم.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي حققت قفزات نوعية في التعليم لم تكن تكثر من إصدار الأنظمة، وإنما كانت تتقن تطبيقها، وتراجع نتائجها باستمرار، وتبني قراراتها على البيانات والأدلة، وتمنح المؤسسات التعليمية مساحة للإبداع في إطار تشريعي واضح.
وهذا ما يوفره نظام التعليم العام اليوم. فهو ليس نهاية رحلة التطوير، بل بدايتها، لقد وضع الأساس، ورسم الاتجاه، وحدد المبادئ، وأصبح الدور الآن على المؤسسات التعليمية، والجامعات، ومراكز التطوير، والمدارس، في أن تستثمر هذه المساحة الواسعة التي منحها النظام، وتحولها إلى مبادرات وسياسات وممارسات تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الطالب.
إن قيمة الأنظمة لا تكمن في نصوصها، بل في قدرتها على تغيير الواقع. ونظام التعليم العام يمتلك من المرونة والرؤية ما يجعله قادرًا على قيادة مرحلة جديدة من تطوير التعليم، إذا أحسنَّا قراءة مواده، وأحسنَّا تطبيقها، وأحسنَّا قياس أثرها.
فالتعليم لا يتقدم كلما كتبنا نظامًا جديدًا، وإنما يتقدم إذا استثمرنا النظام القائم بأفضل صورة ممكنة، وحولنا مبادئه إلى ممارسات يومية، ومؤشرات أداء، وثقافة عمل تؤمن بأن تحسين التعليم رحلة مستمرة لا تتوقف، لأن مستقبل الوطن يبدأ من المدرسة، والمدرسة تبدأ من نظام يُقرأ بعين التطوير، لا بعين الاكتفاء.