«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في المملكة لا تُروى حكاية الصقور بوصفها قصة طائر جارح فحسب، بل باعتبارها جزءًا من ذاكرة المكان والإنسان؛ حكاية نشأت في فضاء الصحراء، وتوارثتها الأجيال، وانتقلت من خبرة الآباء إلى شغف الأبناء، حتى أصبحت الصقارة أحد أكثر الموروثات السعودية قدرة على الجمع بين التاريخ والمهارة والهوية.
ومن هذه الذاكرة العريقة، تنطلق مرحلة جديدة لا تكتفي بحفظ الموروث، بل تعيد تنظيمه وتطويره، وتمنحه أدوات الاستدامة، وتفتح آفاقه أمام العالم.
وفي الخامس من أغسطس المقبل، يفتح المركز الوطني للصقور أبوابه في مقره بملهم شمال مدينة الرياض، أمام الصقارين ومزارع الإنتاج والمهتمين من داخل المملكة وخارجها، إيذانًا بانطلاق المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور 2026، الذي يستمر حتى 25 أغسطس، في أولى فعاليات المركز بعد صدور تنظيمه الجديد.
من ذاكرة الآباء إلى منظومة وطنية
أُنشئ المركز الوطني للصقور، المعروف سابقًا باسم نادي الصقور السعودي، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (834) وتاريخ 18-11-1447هـ، ليكون الجهة الوطنية المختصة بتنظيم وتطوير منظومة الصقور والصقارة في المملكة العربية السعودية.
ويتمتع المركز بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويرتبط تنظيميًا برئيس مجلس الوزراء، ويتخذ من مدينة الرياض مقرًا رئيسيًا له؛ في خطوة تعكس انتقال الصقارة من إطار الممارسة الفردية والموروث المتوارث إلى منظومة وطنية مؤسسية تمتلك أدوات التنظيم والتطوير والاستدامة.
وتتمثل مهمة المركز في العناية بالصقور باعتبارها موروثًا ثقافيًا أصيلًا، وتنظيم الأنشطة المرتبطة بها وتطويرها، من خلال إقامة الفعاليات والمعارض والمؤتمرات، وتنظيم مزادات الصقور، وإدارة برامج إطلاقها داخل المملكة وخارجها، وإنشاء قواعد بيانات متخصصة. كما يعمل على تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، ودعم البحوث والدراسات العلمية، والتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث، وتمثيل المملكة إقليميًا ودوليًا في المجالات المرتبطة بالصقور، بما يعزز حضورها ويؤكد ريادتها في هذا المجال. والتحديث هنا لا يعني مغادرة الموروث، بل منحه أدوات جديدة للبقاء؛ فالموروث لا يعيش في الذاكرة وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسة تحميه، ومنصة تطوره، وأجيال تتعلمه، واقتصاد قادر على توسيع حضوره دون أن يفقد روحه.
المزاد.. اقتصاد الخبرة قبل أن يكون سوقًا
في عالم الصقور، يصعب اختصار العلاقة بين الصقار وصقره في البيع والشراء. فخلف كل صقر رحلة طويلة من الإنتاج والرعاية والتدريب والمتابعة، وخلف كل مزرعة أعوام من الخبرة والعمل، وخلف كل صقار عين خبيرة تلتقط تفاصيل قد لا يراها الزائر العادي. ولهذا، فإن المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور ليس مجرد منصة للمزايدة، بل مساحة تلتقي فيها التجارب والخبرات؛ يأتي إليها من يبحث عن صقر بعينه، ويشارك فيها مربٍ لعرض إنتاج مزرعته، ويحضر صقار للتعرف على سلالات وتجارب جديدة.
وفي جناح «صقار المستقبل» تتضح الإجابة عن السؤال الأهم: كيف يبقى الموروث حيًا؟ ليس عبر حفظه في الكتب فقط، بل حين يقف طفل أمام صقر، ويسأل، ويتعلم، ثم يعود إلى منزله وفي ذاكرته بداية حكاية جديدة. فقد يكون السعر خبرًا، لكن الحكاية التي أوصلت الصقر إلى منصة المزاد هي القصة الكاملة.
23% نموًا.. وامتداد دولي متصاعد
حقق المزاد خلال عام 2025 نموًا في قيمة مبيعاته بنسبة 23%، لتتجاوز 13 مليون ريال، مقابل أكثر من 10 ملايين ريال في عام 2024، فيما ارتفع عدد الصقور المبيعة بنسبة 27%، ليصل إلى 1103 صقور، مقارنة بـ872 صقرًا في العام السابق.
وامتد النمو إلى المشاركة الدولية؛ إذ استقطب المزاد 67 مزرعة إنتاج من 23 دولة، بزيادة بلغت 20% في عدد المزارع و21% في عدد الدول مقارنة بعام 2024، الذي شهد مشاركة 56 مزرعة من 19 دولة، فيما بلغ عدد المزارع المحلية المشاركة خلال العام الماضي 19 مزرعة.
وسجل المزاد في عام 2025 بيع صقر من نوع «جير بيور سوبر وايت» بقيمة 1.2 مليون ريال، بوصفه أغلى صقر بيع خلال العام، في مؤشر يعكس قيمة الصقور المعروضة وجودة إنتاج المزارع المشاركة. لكن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الصفقات؛ فكل رقم يقف خلفه عمل طويل، وكل مزرعة تحمل معها تجربة، وكل صقر يصل إلى منصة المزاد يمثل حصيلة معرفة ورعاية وخبرة. ومنذ انطلاق المزاد عام 2021، واصل نموه عامًا بعد آخر؛ فسجل في عامه الأول مبيعات تجاوزت 8 ملايين ريال بعد بيع 443 صقرًا، وشهد صفقة بيع صقر «مثلوث جير بيور فرخ ألترا وايت» بقيمة 1.75 مليون ريال.
وفي عام 2022، شهد المزاد بيع 371 صقرًا بقيمة تجاوزت 2.5 مليون ريال، بمشاركة أكثر من 40 مزرعة إنتاج من 17 دولة، قبل أن يرتفع العدد في 2023 إلى 642 صقرًا، بقيمة تجاوزت 8 ملايين ريال، ثم إلى 872 صقرًا في 2024، بمبيعات تجاوزت 10 ملايين ريال، وصولًا إلى 1103 صقور في 2025، بمبيعات تجاوزت 13 مليون ريال. وهذه المسيرة لا تعكس نمو مزاد فحسب، بل تكشف عن اتساع منظومة كاملة تتداخل فيها التربية والإنتاج والتجارة والاستثمار والبحث العلمي والسياحة الثقافية، ضمن موروث ظل حاضرًا في الوجدان السعودي، ويجد اليوم طريقه إلى منصات عالمية أكثر تنظيمًا واتساعًا.
حين يصبح الاستثمار أداة لحماية الموروث
قد يبدو الاستثمار والموروث، للوهلة الأولى، مسارين مختلفين، لكن تجربة الصقارة تقدم نموذجًا مختلفًا؛ فالموروث لا يبقى حيًا لأنه يُستعاد في المناسبات فقط، بل لأنه يُمارس ويُعلّم ويجد من يطوره، ويمنح المربي فرصة للنمو، ويفتح أمام المنتج أسواقًا جديدة، ويجمع الصقار بمن يشاركه الشغف نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الجديدة للمركز الوطني للصقور؛ إذ لا يقتصر دوره على تنظيم الفعاليات، بل يتجه إلى بناء منظومة متكاملة، وتعزيز الشراكات، ودعم البحث والمعرفة، وفتح فرص استثمارية، وتوسيع حضور المملكة بوصفها مركزًا عالميًا للصقور والصقارة. ويتصل بهذا التوجه تخصيص جميع أشواط مسابقات المركز لفئة «الفرخ» للصقور المبيعة في المزاد، بما يمنح المزاد امتدادًا يتجاوز لحظة البيع إلى ميادين المنافسة، ويمنح المنتجين والصقارين حافزًا إضافيًا للتفاعل مع المنظومة.
وبذلك، لا تنتهي رحلة الصقر عند منصة المزاد؛ فقد ينتقل من المزرعة إلى يد صقار، ثم إلى ميدان المنافسة، في مسار يربط الإنتاج بالممارسة، والموروث بالاقتصاد، والخبرة بالمستقبل.
ملهم.. فصل جديد من الحكاية
يحمل مزاد هذا العام دلالة خاصة؛ فهو أولى فعاليات المركز الوطني للصقور بعد صدور تنظيمه الجديد، وامتداد لمسيرة مزاد استطاع خلال سنوات قليلة أن يتحول إلى منصة دولية تستقطب المنتجين والصقارين من مختلف أنحاء العالم.
ويضم المزاد أجنحة لمزارع الصقور المحلية والدولية، وأجنحة لمستلزمات الصقور، وجناح «صقار المستقبل»، إلى جانب العروض التفاعلية ومنصة المزاد التي تتيح منافسات مباشرة على نخبة من سلالات الصقور المنتجة محليًا ودوليًا.
كما يوفر منصة دولية موثوقة وآمنة تجمع الصقارين ومنتجي الصقور، وتتيح خيارات متعددة من نخبة السلالات المنتجة حول العالم. وتباع الصقور عبر أجنحة المزارع المشاركة، إلى جانب منصة المزاد التي تشهد مزادًا تنافسيًا مباشرًا بحضور الصقارين والمنتجين والمهتمين من المملكة ومختلف دول العالم.
وتسهم التغطية التلفزيونية وقنوات البث المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة المتابعة محليًا ودوليًا، وإبراز صفقات المزاد ومشاركاته، ودعم وصول مزارع الإنتاج إلى شرائح أوسع من الصقارين والمستثمرين والمهتمين حول العالم.
ولا يتوقف المشهد عند المزاد؛ إذ يشهد عام 2026 برنامجًا متنوعًا من الفعاليات المتخصصة، من بينها معرض الصقور والصيد السعودي الدولي خلال الفترة من 1 إلى 10 أكتوبر، وسباق الملواح من 4 إلى 9 أكتوبر، ومزاد المركز الوطني للصقور من 1 أكتوبر إلى 30 نوفمبر، ومهرجان الملك عبدالعزيز للصقور من 17 إلى 30 نوفمبر، وكأس المركز الوطني للصقور من 21 إلى 28 ديسمبر.
الصقر الأغلى ليس الحكاية كلها
في أغسطس المقبل، قد تتصدر العناوين صفقة جديدة، وقد يسجل صقر رقمًا قياسيًا، وقد ترفع المزايدات قيمة المبيعات إلى مستويات جديدة. لكن الحكاية الأهم ربما تكون في مكان آخر؛ في المزرعة التي تشارك للمرة الأولى، والمربي الذي يعود بخبرة جديدة، والصقار الذي يأتي برفقة ابنه، والطفل الذي يقف طويلًا أمام صقر قد يظل في ذاكرته سنوات.
فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الأرقام الكبيرة معناها، وتحول المزاد من سوق إلى مساحة للقاء، ومن فعالية إلى ذاكرة، ومن موروث إلى مستقبل.
الصقور حكاية عربية قديمة، لكنها لم تُكتب كاملة بعد. وفي المملكة العربية السعودية، يضيف كل موسم جديد فصلًا إلى هذه الحكاية؛ فصلًا يحفظ ما تركه الآباء، ويمنح الأبناء فرصة مواصلته، ويضع الصقارة السعودية في مكانها الطبيعي: موروثًا حيًا، وهوية وطنية، ومنظومة تتجه بثقة إلى العالم.
وفي ملهم، لا تُباع الصقور وحدها؛ هناك أيضًا تُعاد صياغة العلاقة بين الموروث والمستقبل، حين تتحول خبرة الآباء إلى مؤسسة، وشغف الصقارين إلى منظومة، والصقر السعودي إلى سفير لذاكرة وطنية تحلّق بثقة نحو العالم.