«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يعد «معرض جميل» في متحف فكتوريا وألبرت بلندن، بعد عقدين من تأسيسه، مجرد مساحة لعرض مقتنيات الفن الإسلامي؛ فقد تحول إلى تجربة متحفية أسهمت في إعادة صياغة الطريقة التي يُعرض بها هذا الفن ويُفسَّر ويُقدَّم إلى الجمهور العالمي.
منذ افتتاحه عام 2006، نجح المعرض في نقل الفن الإسلامي من إطار العرض التاريخي التقليدي إلى فضاء أوسع يتقاطع فيه التراث مع البحث الأكاديمي، والحرفة مع الإبداع المعاصر، والمقتنى التاريخي مع الأسئلة الجديدة حول الهوية والتبادل الثقافي وانتقال الأفكار بين الحضارات.
وفي الذكرى العشرين لتأسيسه، احتفل متحف فكتوريا وألبرت، ومجتمع جميل، وفن جميل، بهذا المشروع الذي أسهم في تعميق فهم الجمهور لإبداعات الحضارة الإسلامية، وأصبح، وفق ما عكسته التغطيات البريطانية والفنية الدولية، نموذجًا لكيفية إعادة تقديم الفن الإسلامي داخل واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في العالم.
وأقام مجتمع جميل بهذه المناسبة حفل استقبال خاصًا استضافه متحف فكتوريا وألبرت، بحضور الأمير تركي الفيصل، والأمير عبدالله بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، سفير المملكة العربية السعودية لدى المملكة المتحدة، ومحمد عبداللطيف جميل، مؤسس مجتمع جميل، إلى جانب فادي جميل، وحسن جميل، وهشام حمزة، وغادة السمنودي.
وخلال الحفل، أعرب محمد جميل عن شكره وتقديره للأمير تركي الفيصل، والأمير عبدالله بن خالد بن سلطان على حضورهما، كما وجّه الشكر إلى وزارة الثقافة السعودية على جهودها في إحياء الفنون التقليدية في المملكة.
وأعلن جورج ريتشاردز، مدير مجتمع جميل، اعتماد احتفال الذكرى العشرين لافتتاح «معرض جميل» ليكون الحدث الافتتاحي الرسمي ضمن الأنشطة التمهيدية لـ«عام الثقافة البريطاني – السعودي 2029»، في خطوة تعكس تنامي الشراكات الثقافية بين البلدين ودورها في بناء جسور تتجاوز التبادل الرمزي إلى العمل الثقافي المشترك.
عقدان من النظر إلى الفن الإسلامي بوصفه تراثًا حيًا
واحتفاءً بهذه المحطة، أعدّ متحف فكتوريا وألبرت برنامجًا موسعًا من المعارض المؤقتة والمؤتمرات والفعاليات العامة، يعكس رؤية تتعامل مع الفن الإسلامي بوصفه تراثًا حيًا قابلًا للتجدد، لا إرثًا ساكنًا ينتمي إلى الماضي وحده.
وفي وقت سابق من هذا العام، استضاف المتحف معرض «الخيامية: صناعة الخيام المصرية»، الذي جمع نخبة من أمهر صُنّاع الخيام التقليدية من شارع الخيامية التاريخي في القاهرة، لتقديم عروض حية وورش عمل تفاعلية للجمهور في لندن.
وفي يونيو 2026، افتتح المتحف معرض «خيوط ذهبية: أزياء من المملكة العربية السعودية»، وهو معرض مؤقت ضمن «معرض جميل» يضم مجموعة نادرة من الأزياء الملكية التي تعود إلى أوائل القرن العشرين، اقتناها المتحف حديثًا، مسلطًا الضوء على براعة الحرف التقليدية، والهوية الإقليمية، والدلالات الثقافية للأزياء السعودية.
وفي 17 يوليو 2026، استضاف متحف فكتوريا وألبرت مؤتمر «المشهد المتحفي للفن الإسلامي: مؤتمر الذكرى العشرين لمعرض جميل»، بمشاركة متخصصين في العمل المتحفي، وقيّمين فنيين، ومؤرخي فن من كبرى المؤسسات العالمية، لمناقشة التحولات التي طرأت على أساليب عرض الفن الإسلامي وتفسيره خلال العقدين الماضيين.
وفي وقت لاحق من هذا العام، وضمن فعاليات «مهرجان لندن للتصميم»، تكشف الفنانة الأوزبكية عزيزة قادري عن عمل فني تركيبي ضخم أُنجز خصيصًا لـ«معرض جميل»، مستلهمًا قطعًا تطريزية نادرة من مقتنيات متحف فكتوريا وألبرت، لم يُسبق عرض معظمها أمام الجمهور، ويعيد تقديمها عبر منحوتات نسيجية، ومعلقات مطرزة يدويًا، وعناصر رقمية تفاعلية.
تركي الفيصل: «جميل» مسيرة حافلة بالإنجازات
وقال الأمير تركي الفيصل، في كلمة بهذه المناسبة:
«بصفتي سفيرًا لدى الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، وفي تلك الفترة التي شرّفني فيها أمير ويلز آنذاك بتعييني رئيسًا لمجلس أمناء مدرسة الأمير للفنون التقليدية، وهو أعظم امتياز وشرف حظيت به خلال مسيرتي سفيرًا، دعاني صديقي محمد عبداللطيف جميل قبل عشرين عامًا إلى حضور افتتاح معرض جميل.
ومنذ ذلك الحين، واصل جميل مسيرته الحافلة بالإنجازات، وشهدت مبادراته العديد من التطورات الإيجابية. واليوم، وفي ظل رعاية الملك تشارلز الثالث، تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة ازدهارًا متواصلًا، حيث يضطلع الملك تشارلز بدور حلقة الوصل الرئيسية بين البلدين».
فادي جميل: التقاليد الفنية ليست إرثًا جامدًا
وقال فادي جميل، سفير العائلة لدى مجتمع جميل، ورئيس مجلس الإدارة والمؤسس لفن جميل: «يأتي معرض جميل في متحف فكتوريا وألبرت تجسيدًا لالتزام عائلة جميل الراسخ بدعم الفن الإسلامي والاحتفاء بإرثه الغني. فعلى مدى العقدين الماضيين، رسّخ المعرض مكانته بوصفه منصة رائدة للبحث، والتفاعل مع الجمهور، والممارسات الإبداعية المعاصرة، مؤكدًا أن التقاليد الفنية العريقة ليست إرثًا جامدًا، بل تراث حي يواصل تطوره وإلهام الأجيال المتعاقبة عبر الزمن.
ومن خلال شراكة عائلتي مع متحف فكتوريا وألبرت، إلى جانب جهود مجتمع جميل الأوسع في دعم الفنون التراثية والحرف اليدوية، سنواصل العمل على بناء شراكات فاعلة تسهم في صون هذه التقاليد، وتكفل استمرار وصولها إلى جماهير جديدة ومتنوعة حول العالم».
400 قطعة.. ومشهد واسع من الإبداع الإسلامي
من جانبه، أعرب تريسترام هانت، مدير متحف فكتوريا وألبرت، عن امتنانه لعائلة جميل على دعمها السخي، الذي أتاح إنشاء «معرض جميل» عام 2006.
وقال إن المعرض، مع دخوله عامه العشرين، يواصل ترسيخ مكانته بوصفه أحد أكثر فضاءات المتحف استقطابًا وإعجابًا من الزوار، إذ يضم 400 قطعة من روائع الفنون الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، وهي متاحة للجميع مجانًا.
وأضاف أن برنامج جميل في متحف فكتوريا وألبرت يتيح استكشاف الإبداع الفني والتصميمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والاحتفاء به، مشيرًا إلى أن قيّمي الفنون في المتحف أعدّوا برنامجًا موسعًا من الأنشطة احتفاءً بهذه المحطة.
من «سجادة أردبيل» إلى إعادة قراءة الفن الإسلامي
لم يقتصر أثر «معرض جميل» على أروقته؛ فقد حظي منذ افتتاحه باهتمام الصحافة البريطانية والفنية العالمية، التي رأت فيه مشروعًا يتجاوز عرض المقتنيات إلى إعادة النظر في علاقة الجمهور الغربي بالفن الإسلامي.
ورأت صحيفة «الغارديان» أهمية النظر إلى الفن الإسلامي بشروطه الجمالية والفكرية الخاصة، لا باعتباره مجرد جسر بين الشرق والغرب، وأشادت بإعادة تقديم «سجادة أردبيل» الشهيرة، التي أتاح تصميم العرض الجديد إبراز ألوانها وعمقها وتأثيرها البصري.
وفي وصف لافت، شبّهت الصحيفة لحظة إضاءة السجادة بفتح أبواب حديقة جميلة أمام الزائر؛ في صورة تختصر الأثر البصري الذي أراد المعرض أن يصنعه.
كما عكست التغطيات البريطانية قراءة أوسع للمشروع؛ إذ ظهر «معرض جميل» في سياق عالمي كانت فيه الثقافة الإسلامية تُقرأ كثيرًا من خلال السياسة والصراعات، ليقدم الفن بوصفه لغة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى تبرير سياسي أو وظيفة تصالحية كي تستحق الحضور.
من «صراع الحضارات» إلى تفاعلها
يضم المعرض أعمالًا تمتد عبر مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من إيران ومصر وتركيا وآسيا الوسطى إلى الأندلس، وتشمل الخزف والزجاج والمنسوجات والسجاد والأعمال المعدنية والخشبية وغيرها.
ولا يقوم تنظيمه على التسلسل الزمني وحده، بل يكشف انتقال الأفكار والتقنيات والتأثيرات بين الحضارات، مستفيدًا من الخرائط التفاعلية والمواد السمعية والبصرية والشعر، ليقدم الفن الإسلامي بوصفه نتاجًا لتاريخ طويل من التفاعل والتبادل.
وهنا تتجاوز تجربة «معرض جميل» سؤال: ماذا نرى؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تشكلت هذه الأعمال؟ وكيف انتقلت التقنيات والأفكار؟ وكيف أسهمت الحضارات الإسلامية في صناعة تاريخ الفن العالمي؟
شراكة سعودية تتجاوز الرعاية
عند افتتاح المعرض، ركزت الصحافة الفنية الدولية على أن المشروع أُنجز بتمويل سعودي بلغ 5.4 مليون جنيه إسترليني من عائلة جميل، في مبادرة جعلت اسمًا سعوديًا حاضرًا في واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية البريطانية.
غير أن أهمية المبادرة تجاوزت التمويل؛ فقد أسهم الدعم في بناء تجربة متحفية متكاملة، وإعادة تقديم أكثر من 400 قطعة مختارة من مجموعة الفن الإسلامي في متحف فكتوريا وألبرت، التي تضم آلاف المقتنيات، إلى جمهور دولي واسع.
كما سبقت افتتاح المعرض جولة دولية لمقتنيات بارزة من المجموعة، شاهدها مئات الآلاف من الزوار، بما عزز حضور الفن الإسلامي في المشهد الثقافي العالمي.
ويمتد التعاون بين مجتمع جميل ومدرسة مؤسسة الملك للفنون التقليدية لما يقرب من 20 عامًا، ويشمل مبادرة «بيوت جميل للفنون التراثية»، وهي شبكة من مدارس الحرف التقليدية تضم فروعًا في القاهرة وجدة، إضافة إلى فرعها في ضيعة دمفريز هاوس باسكتلندا، المقر الرئيسي لمؤسسة الملك.
وينطلق هذا الالتزام من رؤية متكاملة تجمع بين صون ممارسات التصميم والحرف العريقة، وضمان استمراريتها، وتمكين الفنانين والحرفيين التقليديين عبر التدريب العملي وإتاحة فرص العمل، بما يوفر لهم سبل عيش مستدامة.
ويشكل هذا التوجه إحدى الأولويات الاستراتيجية لمجتمع جميل في ظل تفاقم أزمة توظيف الشباب في العالم العربي، بما يجعل الحفاظ على الحرف التقليدية مشروعًا ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا في آن واحد.
ومن خلال «معرض جميل» وبرنامجه الأوسع في متحف فكتوريا وألبرت، تواصل هذه الشراكة دعم الدراسات الأكاديمية، وتعزيز التبادل الثقافي، ورعاية الإبداع المعاصر، وتوسيع نطاق تفاعل الجمهور مع الإرث الفني الغني للعالم الإسلامي.
حين يصبح المعرض جزءًا من تاريخ الفن
بعد عقدين من تأسيسه، لم يعد «معرض جميل» مجرد مشروع ناجح داخل متحف فكتوريا وألبرت، بل أصبح جزءًا من النقاش العالمي حول كيفية عرض الفن الإسلامي وتفسيره.
فأهم ما أنجزه المشروع لم يكن إعادة ترتيب القطع داخل قاعة، بل إعادة طرح السؤال: كيف يرى العالم الفن الإسلامي؟
والإجابة التي قدمها «معرض جميل» أن هذا الفن ليس أثرًا من الماضي، ولا مادة غريبة عن الثقافة الغربية، بل أحد المكونات الكبرى لتاريخ الفن العالمي؛ فن متعدد المراكز، غني بالتجارب، عابر للحدود، وقادر على إنتاج المعنى والجمال في كل زمن.
وهكذا، فإن قصة «معرض جميل» في لندن ليست قصة قاعة فنية، ولا حكاية دعم سعودي لمؤسسة بريطانية؛ إنها قصة شراكة ثقافية أعادت وضع الفن الإسلامي في قلب الحوار العالمي حول الفن، والهوية، والذاكرة، والتبادل بين الحضارات.
ومن جدة، حيث بدأت قصة عبد اللطيف جميل، إلى لندن، حيث يحتضن متحف فكتوريا وألبرت هذا المشروع، امتد جسر لا ينقل الفن الإسلامي إلى الغرب، بل يعيد تقديمه بوصفه ما كان عليه دائمًا: جزءًا أصيلًا من تاريخ الفن العالمي، وتراثًا حيًا لا يكتفي بالبقاء، بل يواصل الإلهام والتجدد.