الصادق جاد المولى
كنت أظن أن المستقبل اسمٌ مهذّب للأمنيات، وأن الغد يصل إلى الناس بقوة التقويم وحده، ثم أقمت في المملكة منذ أبريل 2013 ورأيت السنوات تعيد تعريف هذه الفكرة أمامي، شاهدت الحلم يدخل إلى غرف العمل، ويتحوّل إلى موعد ومؤشر ومسؤولية، ورأيت وطنًا يختصر المسافة بين ما يريده وما يستطيع إنجازه. ومع كل خطوة، كان سؤال واحد يتقدّم في ذهني: من أين جاءت هذه الجرأة على استدعاء المستقبل إلى الحاضر؟ وكان الجواب يبدأ من دولة راسخة، ثم يعود إلى قائد قرأ إمكاناتها بعين جديدة.
وفي أصل هذه الدولة يقف مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-؛ ملك يعرف تاريخ المملكة كما يعرف الأب ملامح أبنائه، ويحمل من خبرة الحكم ما يجعله مطمئنًا إلى أن الجذور العميقة تمنح الأغصان قدرة أكبر على الامتداد، إذ جاء التحول في عهده امتدادًا لمسيرة الدولة السعودية، واستند إلى قيمها ومكانتها وثقلها العربي والإسلامي. ومن هذا الرسوخ، انطلقت جرأة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز؛ -حفظه الله- فالتقت خبرة الدولة بطموح جيل، وبدأت المملكة تنظر إلى ما تملكه من زاوية أوسع.
رأى سموه في النفط نعمة، وفي الإنسان ثروة أبقى، وفي الجغرافيا فرصة، وفي الشباب قوة تنتظر من يمنحها الثقة والمساحة، نظر إلى المملكة فرأى إمكاناتها قبل أن تصبح مشروعات، ورأى موقعها في العالم كما ينبغي أن يكون، ثم دعا السعوديين إلى مشاهدة وطنهم بحجم قدرته، ومن هذه القراءة خرجت رؤية السعودية 2030 عقد عمل مع الزمن، يضع المجتمع الحيوي إلى جوار الاقتصاد المزدهر والوطن الطموح، ويمنح كل فكرة طريقًا واضحًا من التطلع إلى التنفيذ.
ومع انتقال الرؤية من الوثيقة إلى الميدان، بدأت آثارها تتوزع على تفاصيل الحياة، اتسعت مشاركة المرأة، وتقدّم الشباب إلى مواقع العمل والقرار، وأخذت الثقافة مكانها في المشهد العام، وفتحت السياحة أبوابًا جديدة، وصارت المدن تفكر في ساكنها كما تفكر في عمرانها. تحوّل الهدف إلى برنامج، والبرنامج إلى مؤشر، والمؤشر إلى مسؤولية، ثم جاءت الأرقام وهي أقل شاعرية من الخطب وأكثر دقة لتقول إن 85 % من مبادرات الرؤية كانت مكتملة أو تسير وفق مسارها بنهاية عام 2024، وإن 93 % من مؤشرات البرامج والاستراتيجيات الوطنية بلغت مستهدفاتها المرحلية أو تجاوزتها أو اقتربت منها، والرقم، لحسن الحظ، لا يجيد المجاملة.
تكتسب هذه الأرقام معناها الحقيقي خارج التقارير، في الإنسان الذي تغيّرت علاقته بالممكن، فمن مقعد المقيم الذي أمضى في هذه البلاد أكثر من اثني عشر عامًا رأيت قاموس الشباب يتغير؛ صار السؤال عمّا يستطيعون صنعه، واتسعت أحلامهم حتى غدت جزءًا من الاقتصاد الوطني، وأصبح الطموح فضيلة عملية، وأصبح الإنجاز حقًا ينتظره المجتمع من مؤسساته، وهذه الثقة الجديدة في الإنسان تكشف جوهر المشروع كله؛ فالمباني تشهد على قدرة الدولة، أما المواطن الواثق فيشهد على قدرتها على صناعة المستقبل.
ولعل هذا ما يعجبني في سموه أكثر من سواه؛ أنه يحلم بلغة كبيرة، ويدير بلغة دقيقة، يمنح الفكرة موعدًا وميزانية ومؤشرًا ومسؤولًا، ويعامل الوقت بوصفه موردًا وطنيًا؛ فالوقت في مدرسة سموه موظف لا يُسمح له بالتأخر، وطريق بهذا الاتساع يحمل تحدياته وأسئلته، وقد تتغير بعض الأولويات وتُراجع بعض المسارات، وتبقى المراجعة جزءًا من شجاعة التنفيذ، فالقائد الذي يقصد غاية بعيدة يحتاج إلى بصيرة تعرف متى تسرع الخطى، ومتى تعيد ترتيبها، من دون أن تفقد وجهتها.
ولهذا أكتب إعجابي بلسان الشاهد، بعيدًا عن منصة المبالغة؛ فمنجز القائد أصدق مادحيه، لقد نقل سمو ولي العهد المستقبل من صيغة «سوف» إلى صيغة «الآن»، واستدعى عام 2030 إلى مكاتب اليوم ومصانعه وجامعاته ومدنه، ولهذا أسميه «القائد الذي أيقظ الغد»؛ ففي عهد خادم الحرمين الشريفين صار الغد مشروع دولة، وبقيادة سمو ولي العهد نهض من التقويم ومشى بين الناس.