عبدالعزيز صالح الصالح
الحديث عن الشعراء في وطننا العربي الكبير قديماً وحديثاً ذو شجون، حيث الخارطة الشعرية اليوم.. زاهية بكافَّة الألوان وبواكير كل نهضة أدبيَّة ينبع رواد فحول في الشعر العربي الفصيح وفي النثر وفي النقد الأدبيِّ.. حيث إن القافلة الأدبيَّة تسير في طريقها وتتطور باستمرار تارة وتمر بفترات من الركود تارة وبفترات بالأزدهار.. فهذه طبيعة الحياة كل أدب كلام، وليس كل كلام أدب، فإن الأدب الذي نريده - هو الأدب الذي يقدم إلينا حلو الكلام، وحلو المعاني، وحلو الأفكار، فكل ما يفسد حلاوة الكلام، لفظاً أو معنى، فهو منبوذ في دنيا الأدب الصحيح، قُلْ هذا عن العامية الرديئة، وقُلْهُ عن الرمزية العوراء، وقُلْهُ عن الشعر الجديد الذي أهدر اللفظ والمعنى والموسيقى والجمال، فجاء مسيخاً، وإن كان أصحابه يرون فيه (مسيحاً) جديداً للشعر!!
وقل هذا عن -الفكر ولو جيات- ولابُدَّ أن نتحدث عن الأدب الذي يريده المتلقِّي بعيداً كل البعد عن شعبيِّة الأدب وغوغائيته. فالأدب في منتهى آماده هو الأدب الذي يبلغ الجماهير في أوسع رقعة من عالمنا العربي وليس أدباً يناشد الدَّهماء. فالأدب الذي مراده الوصول إلى المتلقِّي، فهو الأدب الذي يتوخى الارتقاء بثقافة الشعب ولغته وتفكيره وآماله، هو الأدب الصحي - الذي يرفد ثقافة المجموع، وينهض بتفكيرهم، ويمنحهم الغذاء الذهني والوجداني السليم. أمَّا الأدب الغوغائي الدهمائي الذي يتوخى التسلِّية دون الفائدة، ويستميل النوازع دون أن يتسامى بها، ويخاطب الناس بمقدار عقولهم فلا يزدادون إلا وقوفاً في محالهم، وجموداً في ملكات أذهانهم، فالأدب يُعلم ويهذب ويرقي ويٌنهض ويسمو ويرشد ويهدي ويستطيب القَيِّم الأدبيَّة ويكتشف ذخائر الضاد ويجود بأساليب التعبير والتحرير، أدب لا يستمد مادته من أفواة السابلة وألفاظ المماكسين.
فالمرء يريد أدباً له مكانة في القيادة والإرشاد والتوجيه لا المتابعة والمجاراة والمسايرة، أدباً يبني الأخلاق، ويؤثل القيِّم، ويؤصل المناقب، ويوسع الأذهان، فالأدب الصحيح هو الذي يبني حتى يكتمل للضاد صرح شامخ عزيز الأركان. ومهما تطاول المتطاولون على عباقرة الضاد في القديم والحديث أمثال - أبو الطيب المتنبي - والبحتري - وأبي العلاء المعري، وامرئ القيس، وابن الرومي، وغيرهم كثير، فإن هذه المحاولات تطحن الهواء ولا تطحنهم، لأن خلودهم أبقى من أن تنال منه الفؤوس والمناجل. وهناك شعراء يمتازون بقوة الأبيات الشعرية، والكلمات الجميلة، والعبارات الراقية، ذات الأهداف والمعاني العالية، إلى جانب شدة العواطف وقوة الخيال، وسلامة الأسلوب، وجزالة اللفظ، فقد أذاقتهم الغربة هذه الحياة المتنقلة كثيراً، من ألوان العناء والشقاء، والكدِّ، وعلى الرغم من ذلك لم تذل أنفسهم، ولم تنطفئ جذوة نشاطهم، بل ظلوا يعملون بجد ونشاط وهمَّة وحيوية ما بين كتب تعُدُّ، وقصائد تقال وتؤرِّخ، فالشعر الجميل يمتاز بالحلاوة والطراوة، وتعتبر كلماته فواحه فإنها لا تزال خالدة على مدى الاجيال، رغم مخالفته ما هو مألوف في العصر الحالي.
فالشعر عند العرب أمر طبيعي، بينما عند الشعوب الآخرى أمر اصطناعي، فهؤلاء الشعراء الأفذاذ يتحفون البرنامج بقصائدهم المتعدِّدة بالرثاء والمدح والغزل والهجاء، حيث يسعد المتلقِّي بشتَّى أنواع القصائد التي تهزَّ السامعين، محدثة دوياً، تستميل إليه القلوب، مِّمَّا أوجدت أدباً عربياً حماسياً قوياً يشار إليه في كل وقت وحين فهذه الكلمات الحرة العفوية، بصرف النظر عن قيمتها وأهميتها ومعانيها الحقيقية عند الشعراء الأفذاذ، وعند اللغويين، فإن لها معاني مجازية، وبالكلمة يفصح الإنسان عن رغباته وحاجاته، وهي تصنع مغلاق النَّفس وهي التي تصوغ مفتاحها.. وبجمال الكلمة الحكيمة، وسنا الموعظة الحسنة، وجلال الرأي السديد تفتح المغاليق التي لا تفتح.