محمد البهيدل
تُمثل الجماهير الرياضية في ملاعبنا القلب النابض والركيزة الأساسية التي تقوم عليها صناعة كرة القدم برمتها. فلولا هتافات المدرجات، وتفاعل الشارع الرياضي، والزحف خلف الأندية في كل منطقة، لفقدت المستديرة رونقها وجمالها ومعناها الحقيقي. ورغم الطفرة الكبرى التي يعيشها القطاع الرياضي بفضل الدعم اللامحدود والتوجهات الرامية لرفع قيمة الدوري التسويقية، إلا أن هناك جرحاً خفياً يئن منه المشجع البسيط طوال الموسم، وتحديداً فيما يتعلق بتذاكر حضور المباريات.
اقتصاديات الشغف.. أين الخلل؟
حين تتبعنا ردود أفعال الشارع الرياضي مؤخراً، وجدنا أن الهاجس الأكبر الذي يُقض مضاجع الجماهير لم يعد عادياً؛ بل تجاوز الفنيات والنتائج إلى المعاناة المستمرة في تأمين تذكرة دخول الملعب. إن المبالغة في رفع أسعار التذاكر الفردية، والتوسع المفرط في بيع التذاكر الموسمية لحزم كاملة، أفرزا أضراراً اقتصادية واضحة على المنظومة قبل أن تمس جيوب الأنصار.. الاقتصاد الرياضي الحديث لا يقوم على بيع التذكرة الباهظة فحسب، بل على الاستهلاك الشامل؛ فالشاب العادي أو العائلة التي تحضر للملعب تنفق على القمصان، والمنتجات، والمأكولات، وتخلق حراكاً تجارياً متكاملاً. لكن حين تتحول التذكرة إلى عبء مالي، يحدث العزوف الحتمي، وينزوي المدرج الشعبي لصالح مقاعد فارغة وبرودة تنظيمية تفقد الدوري هويته وجاذبيته التي جُندت لها الطاقات.
السوق السوداء.. الاقتصاد الخفي للابتزاز
الأسعار المرتفعة وغياب المرونة فرشا السجادة الحمراء لازدهار السوق السوداء؛ ذلك الاقتصاد الخفي الذي يقتات على عاطفة المشجع وولائه لفريقه. فبينما تذهب العوائد الرسمية لخزينة النادي بسعر محدد، تتكفل البرمجيات الآلية (Bots) وسماسرة التذاكر باحتكار المقاعد فور طرحها، لتعود وتُباع أضعافا مضاعفة لجمهور محروق الشغف. النتيجة؟ خزائن الأندية لا تستفيد من هذا الفارق المالي الفلكي، والمشجع يقع ضحية للابتزاز المالي والنصب الإلكتروني، والمدرج يفقد حيويته المعهودة بحرمان الفئات الأقل توفراً للمال من حضور ملحمة فريقها المفضلة.
كيف نلمس الجرح ونضع الحلول؟
من منطلق المسؤولية الإعلامية الملقاة على عواتقنا كصحفيين وكتاب رأي، فإن الصمت عن هذا الوجع يعد تقصيراً في حق المتسبب الحقيقي في نجاح اللعبة (المشجع). ولرأب الصدع وإعادة التوازن بين الجانب الاستثماري للأندية وحق الجماهير في المؤازرة، نضع على طاولة المسؤولين والجهات المعنية الحلول التالية:
1- إقرار التسعير المرن (Dynamic Pricing): يجب أن تُسعّر التذاكر بناءً على معايير منطقية تشمل: أهمية المباراة، السعة الاستيعابية للملعب، واسم المنافس، مع الحرص الدائم على توفر فئات سعرية في متناول كافة طبقات المجتمع لضمان امتلاء المدرجات.
2- الحصار التقني للسوق السوداء: الربط الإلزامي للتذاكر بالهوية الوطنية أو الرقمية (Digital ID) ومنع تداولها أو بيعها خارج المنصات الرسمية المعتمدة، مع وضع عقوبات رادعة لكل من ثبت تورطه في استغلال تذاكر المباريات تجارياً.
3- إعادة ضبط نسب التذاكر الموسمية: صحيح أن التذاكر الموسمية تمنح الأندية سيولة مالية مبكرة، لكن الاستحواذ المبالغ فيه على مقاعد الواجهة والمقاعد الحيوية يخلق فراغات مزعجة في المباريات الكبرى. يجب تقنين هذه النسبة لترك مساحة كافية للطرح الفردي الأسبوعي.
4- المبادرات التحفيزية الجماهيرية: نتطلع لأن تطلق الأندية عبر إدارات التسويق لديها «برامج ولاء» حقيقية تكافئ المشجع المنتظم طوال الموسم بتسهيلات وخصومات، لا أن يُعاقب المشجع الوفي بارتفاع متصاعد في التكاليف.
خاتمة القول
كرة القدم للجميع، والمدرجات السعودية وُلدت لتنبض بالحياة بصخب جماهيرها العريضة وتنوعها الجميل. إن حماية المشجع البسيط ليست ترفاً، بل استثمار حقيقي في استدامة الشعبية وقوة المنافسة. لعل صوت المدرج يصل، ويجد من يقرأ تفاصيله بقلب مسؤول وعقل استراتيجي منصف.