أحمد الأسمري
في الحادي عشر من فبراير 1990، ظهر نيلسون مانديلا عند بوابة السجن، رافعاً يده أمام عدسات العالم.
وقف شامخاً وخلفه سبعة وعشرون عاماً من الجدران والحراس والآلام، وأمامه بلد يطوي بصعوبة صفحة الفصل العنصري.
خرج الرجل ومعه حق هائل في الغضب: شباب انطفأ خلف القضبان، وأسرة تمزقت، وأصدقاء رحلوا، وشعب أُهين طويلاً، ونظام جعل لون الإنسان بطاقة عبور أو باباً موصداً.
كل شيء في تلك اللحظة كان يغري بالثأر، أو يمنحه مبرراً في عيون كثيرين، لكن مانديلا اختار الطريق الشاق.
لم يرد لجنوب أفريقيا أن تنتقل من خوف إلى خوف، ولا أن تتغير مواقع الجلاد والضحية فقط، وفهم أن سقوط الفصل العنصري لا يكفي إذا بقيت روحه حية في لغة المنتصرين وقراراتهم. فالانتصار، في لحظة كهذه، قد يهدم البلد إن تحول إلى رغبة مفتوحة في الحساب.
مانديلا لم يعش بلا غضب. غضبه صنع نضاله، وقاده إلى المواجهة ثم إلى السجن، لكنه تعلّم داخل الزنزانة درساً قاسياً مفاده أن الغضب يصلح وقوداً للمقاومة، لكنه لا يصلح أساساً للدولة.
في مرافعته الشهيرة خلال محاكمة ريفونيا عام 1964، أعلن رفضه لهيمنة البيض، ورفضه كذلك لهيمنة السود، تلك العبارة ليست حماسة خطابية بل خلاصة مشروعه. أراد بلداً لا يستبدل سيداً بسيد، ولا لوناً بلون، ولا يحوّل إرث الظلم إلى عقوبة جماعية، ولذلك صافح خصوم الأمس، وجلس معهم، وفتح باب التفاوض.
لم يفعل ذلك لأنه نسي السجن، بل لأنه تذكره جيداً، واستوعب أن الخوف قادر على صناعة سجون جديدة.
وفي عهده أنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة التي لم تأتِ لتبييض الماضي أو تهريب الجناة من الذاكرة، بل لتقول الحقيقة على الملأ. الضحايا يتكلمون، والجرائم تخرج من الظل، والبلد يسمع نفسه للمرة الأولى بلا أقنعة.
ذلك الدرب أوجع الجميع تقريباً، لم يمنح الضحايا انتقاماً كاملاً، ولم يمنح الجناة راحة تامة، لكنه منح جنوب أفريقيا فرصة نادرة تعترف فيها بجرحها من غير أن تجعله دستوراً للمستقبل.
ربما لهذا لا تبدو عظمة مانديلا في خروجه من السجن صامداً، بل في قدرته على ألا يصطحب السجن إلى الحكم.
لم ينتقم مانديلا لأنه أراد وطناً أوسع من تعبه، ومستقبلاً أكبر من غضبه، ولأنه أدرك أن هزيمة الخصم لا تكتمل إذا صرت تشبهه بعد الانتصار عليه.
ولهذا بقي مانديلا مثالاً نادراً للقوة التي لا تنكر الألم، لكنها ترفض أن تمنحه حق الحكم، فالقوة ليست في أن تنتقم لألمك، بل في أن تمنعه من أن يحكم قلبك وقرارك.