عبدالمحسن بن علي المطلق
دولتنا الرشيد حفظها الله في سعيها للمعالي سعة جهدّها، بالذات لمثل هذا الأمر.. الذي مما لا يخفى آثاره الكبرى، قد خصصت لذلك الباسق مراماً جهة موحّـدة (إحسان)، وهي «منصة رسمية تم تأسيسها بناء على الأمر السامي، وتضم لجنة اشرافية مكونة من ثلاث عشرة جهة رسمية»، بينهن ثلاث وزارات، تقوم باستقبال ذلك، ومن ثم توصله عبر قنواتها داخليا، وخارجيا موثوقا بها.
ويوجد من الشفافية والسهولة في استلام وتقديم التبرعات، ومن بين أغراض المنصـة تكريم «معنويا» المتميزين في العطاء الخيري والتنموي.
وبعد..
هذا- البذل- وقبل أن نعرج إليه، أي غرضه، والذي لا يقف على المالي ولا على تقديم العينات فحسب، بل يتعدّى لما هو أحياناً أولى وهو الإحسان بالنصح، أو التوجيه، وكذا الهدي إلى سُبل الخير، وقد ذكر بعضهم أن الرزق لا يقف على المال بل إن القلب العطوف والنفس المتسامحة ومن بين جنبيه رواف بالعباد وغير هذه.. هنّ -لعمري- من ذاك الرزق، كما وأيننا من مكانة ما للمترفّق بالخلق عند الخالق، فتلكم وغيرها من العطاء، ومن أوقفها على المال فقد ظلم مدلولها!، عدا من زاد فشحّ بالمرام.. فهذه حشفا بمؤداها، وسوء كيلة بمثاقيلها!
ف.. المعنوي(1) حسبه تأييداً في نصوص شرعية بينت وقعه في مواضع لا تقل مثاقيلها عن المادي، والدليل ما يلزم ونحن نستعرض آية: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى..} النظر لإشارة التفضيل في ديننا وهو هنا المعنويّ (القول) مقدّم على الماديّ (.. الصدقة)، بل جاء تقديمه بمواضع، وتمعّن بختام ذات الآية {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}[(263)] البقرة، نعم فربك (غني) عما تقدمه يداك ويطال -بعده- لسانك، فكاد نهر(ما كان أغناك عن الحالين).. يطال صنيعك!
مثال آخر في الآية {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى، ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [(26) الأعراف](2)، وكأن الأمر (إن خُيرت فيه) أمسى لباس التقوى هو لك الأولى..
يحضرني من أبيات -شهيرة- تُنسب للشافعي - رحمه الله:
وَلَسْتُ أَرى السَّعادَةَ جَمْعَ مالٍ
وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَتَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْراً
وَعِنْدَ اللَّهِ لِلأَتْقَى مَزِيدُ
فهي تبين أن السعادة بحق في تقوى الله وطاعته، والجزئية الأخيرة لا حاجة للاسترسال بها، فكلنا والحمد لله واعٍ مرادها، مسلّم بمدلولها (3)..
من وجوهه ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلّم: (تبسّمك بوجه أخيك صدقة)، بل بلغ في توجيهـه لأبي ذرّ رضي الله عنه (.. تَكُفُّ شَرَّك عَنِ النَّاسِ، فإنَّها صَدَقةٌ مِنك على نَفسِك) (4)، وللِـهِ در من قال (صمتك هو صدقة منك على فقراء الأدب)(5)!
عوداً على آية (قول معروف.. خير)، لكن إن لم يتبع الصدقة أذى(6)، فالصدقة هنا أولى لأنها فعل متعد، إذ هناك خير متعد.. وإن لم يصحبه فعل، و(كما تقدّم )النصيحة.. مثلاً (7).
وهذه الملامس من ديننا تثبت أنه منهج رباني، لأن التفاضل بمثل تلكم لا يقطع بها إلا من يعلم السر وأخفى -سبحانه-، وكم خفي البُعد الجميل على المتصدّق -أو باذل أي خير-، أي مما يقع في قلب المتلقي؟
لأن بعضهم لا يُحسن التعبير وثلة لا تجد سوى دموعها يقوم مقام شكرها.. إزاء من أولاها الجميل..
ومثل تقصّي هذه الأبعاد يظهر لنا (بعض).. لا كل ما تحمل آيات ربنا من جلائل معان، ونفائس توجيهات، نعم لا ندرك كثيرا منها، لكن والحمد لله لم نحرم مبلغ كل تلكم.. لأنها بالغالب تعكس لنا الآثار التي تغري أن تعود مرات وكرات..
وكم تسمع من محسن «لم يطربني الربح بقدر ما شنّفت آذاني دعوة محتاج، أو شكره»..
بل كم يسعى لمنال ذاك السامي مَـن ملك نفسا راقية.. ارتقت به عن معطيات دنيا زائلة إلى رجاء ما عند الله (.. الذي هو خير وأبقى)، ولننتبه لـ(أبقى)، فكم من مربح ذهب خلف طمع في محاولة مضاعفته، أو تبخّـر أثر أشياء لو راجع نفسه من اشتراها لوجدها مركونة، وقليل ما يستخدمها!(8)
وهنا، عوداً على بدء.. لا عجب لمن أتـاه سائلاً فقال: (مرحباً بمن ينقل زادي للآخرة)، بربكم كم بيننا من يستوعب دلالة كهذه الجملة التي لا يرى لمعان ذهبها إلا من دنى من شفير الوداع، وهذه شرحها حديث أبي هُريرةَ رضي الله عنه قَالَ: جاءَ رجلٌ إِلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الصَّدقةِ أعْظمُ أجْراً؟ قَالَ (أنْ تَصَدَّقَ وأنْت صحيحٌ شَحيحٌ تَخْشى الْفقرَ، وتأْمُلُ الْغنى، وَلاَ تُمْهِلْ حتَّى إِذَا بلَغتِ الْحلُقُومَ. قُلت: لفُلانٍ كذا ولفلانٍ كَذَا، وقَدْ كَانَ لفُلان) متفقٌ عَلَيهِ.
هلاّ لاحظتم الشطر الأخير من هذا النص النبوي الغزير، فهو (لمن تدبّر به).. وعى مقصد المبادرة قبل أوآن الرحيل.. الثقيل!، وإلا فقد كان..، أي كما في الحديث {حتَّى إِذَا بلَغتِ الْحلُقُومَ. قُلت: لفُلانٍ كذا ولفلانٍ كَذَا، وقَدْ كَانَ لفُلان}، فيكون.. لكن دون أن يكون خرج منك بنفس راضية يوم كان الأمر- الاختيار بمِلكك - بيدك -، وأما والأجل قد حضر فقد أمسيت كمن أُحصر على ما ليس له فيه الخيار..!
و.. الأمثلة المتداولة لا تخفى من مثل: (من شفع لك بجاهه فكأنها من ماله) و... (لا قيني ولا تطعميني)!
2) يُلاحظ أنك في الآية الأولى لا حاجة لذكر اسم السورة، لأنه لا توجد سورة بها هذا الرقم سوى البقرة، خلاف الآية الأخرى يلزم ذكر السور لوجود آيات أو بعض آيات متشابهة.
3) العرب نفرت من تأكيد المؤكّد!، لكن من اللطيف (.. واسع الأفق يُغريك الحوار معه، لأنك لا ولن تتصادم معه في منطقة الثوابت..).
4) وفي روايةٍ (..فتُعينُ الصَّانِعَ، أو تَصنَعُ لأخرَقَ) رواه مسلم رحمه الله.
5) اللسان وما أدراك ما اللسان ففي حديث (..أُخبرُك بمِلاكِ ذلك كلِّه قلت بلى يا رسولَ اللهِ، قال كُفَّ عليك هذا وأشار إلى لسانِه، قلت يا نبيَّ اللهِ وإنا لمؤاخذونَ بما نتكلمُ به؟ فقال ثكِلَتك أمُّك يا معاذُ، وهل يكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهم إلا حصائدُ ألسنتِهم.
6) للعلم فقط (والمنّ بها) هو أحد وجوه الأذى!، وكم يثقل عليك صنيع أولئك.. وأنت تقرأ (يمنون عليك أن اسلموا..) ألا يعلموا أن هداية الله لهم للإسلام.. هي أعظم، بل و(خير مما يجمعون)!
7) التي هي من أحد عطايا ديننا (ففي كل جمعة يلزمنا حضور الخِطبة) ما قد.. لا يعذر فيها أحد!، مقابل ما يقع من (تقريع) على من فرّط- في الحضور-.
8) أهل الحِكم لم يدعوا شيئاً.. وقد قال أهل الاقتصاد (من اشترى ما لا يحتاج باع ما يحتاج)!