د.شريف بن محمد الأتربي
في زمن تتسارع فيه المعرفة، لم يعد السؤال هل نطور المناهج، بل كيف نشرح هذا التطوير للمجتمع حتى يكون شريكًا فيه لا متلقيًا له.
تقوم وزارة التعليم أو نظيرتها في أغلب الدول باختيار المقررات الدراسية للطلبة عطفا على المستوى الدراسي، والعقلي، والمرحلة العمرية، وانطلاقا من أهداف الدولة في التعليم. تظل هذه المواد موضع متابعة وتقييم إلى ان يجد المسؤولون عن التعليم أن هناك حاجة للتغيير، سواء بتحديث المقرر، أو استبداله بأخر، أو إلغاءه. وغالبا ما يتم الاعلان عن ذلك للحصول على مساندة المجتمع في تقبل هذه التغييرات.
إن تطوير المناهج الدراسية لم يعد خيارًا لدى الأنظمة التعليمية، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في المعرفة والتقنية والاقتصاد وسوق العمل. فالمعارف تتجدد بوتيرة غير مسبوقة، والوظائف المستقبلية تختلف عن وظائف الأمس، كما أن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية أعادا تشكيل المهارات التي يحتاجها المتعلم ليكون قادرًا على المنافسة في عالم سريع التغير.
إن التجارب العالمية تؤكد أن نجاح تطوير المناهج لا يعتمد على جودة المحتوى وحدها؛ وإنما يعتمد أيضًا على جودة إدارة التغيير. فكلما كان المجتمع على دراية بأسباب التطوير وأهدافه، ازدادت ثقته في القرارات التعليمية، وأصبح شريكًا في إنجاحها.
ومن هذا المنطلق، جعلت المملكة العربية السعودية تطوير التعليم أحد المرتكزات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وشهدت السنوات الأخيرة مشروعات تطويرية واسعة شملت المناهج، والبيئة التعليمية، والتحول الرقمي، وتأهيل المعلمين، وتطوير أساليب التقويم، بما يعكس اهتمام الدولة ببناء رأس مال بشري قادر على قيادة المستقبل.
وفي الآونة الأخيرة وجدنا تغييرا في المقررات على كافة المستويات بطريقة مفاجأة ودون الإعلان عن الأسباب أو الأهداف مما أحدث ربكة في المجتمع بصفة عامة، وفي المجتمع التعليمي بصفة خاصة وآخرها منذ أيام قلائل، حيث أعلنت وزارة التعليم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن المقررات الدراسية للمرحلة الابتدائية دون الإشارة إلى أي تفاصيل تتعلق بهذه المقررات من ناحية جديدها أو تطويرها ولا أسباب إعطاء عدد ساعات معينة لبعضها دون غيره، ولا أسباب عدم وجود تقييم ختامي للبعض الآخر.
اقتصر الإعلان عن هذه التغييرات على عرض الخطة الدراسية، دون أن يصاحبه بيان يوضح فلسفة التغييرات، أو أسباب توزيع الساعات الدراسية، أو ما إذا كانت المناهج نفسها قد شهدت تطويرًا في المحتوى، أو أن التعديلات اقتصرت على تنظيم الخطة، كما لم يتناول فلسفة التقويم وأسباب وجود تقييم ختامي لبعض المواد وعدم وجوده في مواد أخرى.
وهنا يبرز سؤال تربوي مشروع:
هل يكفي الإعلان عن المقررات الدراسية، أم أن المجتمع يحتاج أيضًا إلى معرفة أسباب التغيير وأهدافه؟
لقد شهد التعليم العام في المملكة خلال الأعوام الأخيرة حراكًا تطويريًا متسارعًا، تمثل في تحديث الخطط الدراسية، وإعادة توزيع الحصص، وإضافة مقررات جديدة، وتطوير محتوى عدد من المواد، وإدخال مهارات رقمية وحياتية، وتعزيز تعليم اللغة الإنجليزية في المراحل المبكرة، إلى جانب مراجعات مستمرة للمناهج بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية.
ولا شك أن هذه المراجعات تعكس حيوية المنظومة التعليمية وحرصها على مواكبة المتغيرات العالمية، وهو أمر إيجابي ومطلوب. لكن كثافة التغييرات خلال فترات زمنية متقاربة تجعل الحاجة إلى التواصل المؤسسي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ففي الإدارة الحديثة، كلما ازدادت وتيرة التغيير، ازدادت الحاجة إلى تفسيره. فالمعلم يحتاج إلى استيعاب فلسفة التعديل قبل أن يطبقه داخل الصف، وولي الأمر يحتاج إلى معرفة أثره على أبنائه، والطالب يحتاج إلى فهم ما ينتظره، كما يحتاج الباحثون والمتخصصون إلى الاطلاع على المرجعيات العلمية التي استندت إليها القرارات حتى يمكن تقييم نتائجها بصورة علمية.
ومن هنا، فإن القضية ليست في كثرة التطوير، بل في أن يصاحبه تواصل واضح يجيب عن أسئلة المجتمع، ويحول دون انتشار الاجتهادات والتفسيرات غير الدقيقة.
لماذا يحتاج المجتمع
إلى معرفة أسباب التغيير؟
قد يرى بعضهم أن تفاصيل تطوير المناهج شأن فني يخص المختصين، إلا أن المنهج الدراسي في الحقيقة قضية وطنية تمس جميع أفراد المجتمع.
فولي الأمر يبني خططه التعليمية لأبنائه، والمعلم يعيد إعداد خططه السنوية، والجامعات تتابع مخرجات التعليم العام، وسوق العمل يراقب المهارات التي يكتسبها الخريجون، ولذلك فإن أي تعديل في المقررات أو عدد الحصص أو أساليب التقويم لا يخص الوزارة وحدها، بل يهم المجتمع بأكمله.
وعندما لا تُقدم التفسيرات الرسمية، تبدأ التفسيرات غير الرسمية، وتتعدد القراءات، وتنتشر المعلومات غير الدقيقة، بينما يمكن معالجة ذلك ببيان مبسط يشرح فلسفة التطوير وأهدافه.
كيف تدير الدول المتميزة تعليمياً
تطوير المناهج؟
عند مراجعة تجارب الدول التي تتصدر المؤشرات والمعايير الدولية في جودة التعليم، نجد أن تطوير المناهج لا يبدأ بإعلان الخطة الدراسية، بل يبدأ قبل ذلك بوقت طويل من خلال الدراسات والبحوث، ثم يتبع ذلك برنامج متكامل لإدارة التغيير.
ومن أبرز الممارسات التي تشترك فيها هذه الدول:
- نشر الإطار العام للمناهج قبل التطبيق.
- توضيح أسباب كل تعديل.
- ربط التغييرات بالمهارات المستقبلية واحتياجات الاقتصاد.
- نشر المرجعيات العلمية التي استند إليها التطوير.
- إشراك المعلمين والجامعات والخبراء في المراجعة.
- إعداد أدلة تفسيرية للمعلمين وأولياء الأمور.
- قياس أثر التغيير بعد التطبيق وإعلان نتائجه.
وبذلك يصبح المجتمع شريكًا في التطوير، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
فنلندا.. الحوار قبل التطبيق
في فنلندا يسبق تطوير المناهج حوار واسع مع المعلمين والباحثين والبلديات وأولياء الأمور، كما تُنشر وثائق تشرح فلسفة التغيير والكفايات المستهدفة. لذلك ينصرف اهتمام المجتمع إلى كيفية إنجاح التطبيق، بدلاً من الانشغال بتفسير أسباب التغيير.
سنغافورة.. كل تغيير يرتبط بهدف
أما في سنغافورة، فإن كل تعديل في المناهج يرتبط برؤية وطنية واضحة، وتصدر وثائق توضح العلاقة بين التغيير ومتطلبات الاقتصاد الوطني والمهارات المستقبلية، بحيث يدرك المجتمع أن كل قرار يستند إلى أهداف محددة ومعلنة.
إستونيا.. الشفافية جزء من جودة التعليم
وتقدم إستونيا نموذجًا متميزًا في الشفافية التعليمية؛ إذ تُنشر أهداف المناهج والكفايات المستهدفة والوثائق التفسيرية قبل التطبيق، بما يساعد المعلمين وأولياء الأمور على فهم التغييرات والاستعداد لها، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة التنفيذ.
هل تحتاج كل مادة إلى اختبار نهائي؟
أثار إعلان الخطة الدراسية تساؤلات حول أسباب وجود تقييم ختامي لبعض المواد وعدم وجوده في مواد أخرى.
وفي الحقيقة، فإن كثيرًا من الأنظمة التعليمية المتميزة لا تجعل الاختبار النهائي معيارًا ثابتًا لجميع المواد، بل تربط أسلوب التقويم بطبيعة نواتج التعلم. فالمواد التي تستهدف تنمية المهارات العملية أو الإبداع أو القيم تعتمد بدرجة أكبر على التقويم المستمر، بينما تعتمد المواد الأكاديمية على اختبارات تحريرية وفق أهدافها.
غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب شرح فلسفة التقويم للمجتمع، حتى يدرك الجميع أن اختلاف أدوات التقييم لا يعني اختلاف أهمية المواد، وإنما اختلاف طبيعة المهارات التي يراد قياسها.
من إدارة المناهج إلى حوكمة التغيير
لقد تجاوزت الأنظمة التعليمية المتميزة عالميًا مرحلة الاكتفاء بإنتاج المناهج، وأصبحت تهتم بإدارة رحلة التغيير بأكملها. فنجاح أي تطوير لا يقاس فقط بجودة الكتاب المدرسي، وإنما أيضًا بمدى فهم المعلم له، واقتناع ولي الأمر به، واستعداد الطالب لتقبله.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة من تطوير التعليم في المملكة قد لا تحتاج إلى تطوير المناهج فحسب، بل إلى حوكمة عملية التغيير نفسها، بحيث يصبح التواصل، والشفافية، ونشر الأدلة التفسيرية جزءًا أصيلًا من كل مشروع تطويري.
وأجد أنه من الأفضل أن تصدر وزارة التعليم مع كل إعلان للخطة الدراسية «تقرير تطوير المناهج والخطط الدراسية»، يتضمن بلغة واضحة ومبسطة:
- ما الذي تغير؟
- لماذا تغير؟
- ما المرجعيات العلمية التي استند إليها القرار؟
- ما المهارات الجديدة المستهدفة؟
- لماذا زادت ساعات بعض المواد أو انخفضت؟
- ما فلسفة التقويم؟
- كيف ستقاس نتائج التطوير؟
- وما مؤشرات النجاح التي ستتم متابعتها خلال السنوات المقبلة؟
إن مثل هذا التقرير لن يكون مجرد وثيقة إعلامية، بل سيصبح أداة لتعزيز الثقة بين الوزارة والمجتمع، ويحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة، ويجعل الجميع شركاء في إنجاح عملية التطوير.
كلمة أخيرة
لقد أثبتت التجارب التعليمية أن جودة القرار لا تقاس بسلامة مضمونه فحسب، وإنما كذلك بقدرة المؤسسة على شرحه وإقناع المجتمع به.
واليوم، ومع ما تشهده المملكة من نهضة تعليمية شاملة، تبدو الفرصة مواتية لتعزيز جانب التواصل المؤسسي، بحيث يصاحب كل تطوير للمناهج شرح واضح لفلسفته وأهدافه وآثاره المتوقعة.
ختامًا، فإن تطوير المناهج لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تعديلًا في الكتب أو إعادة توزيع للحصص فحسب، بل بوصفه مشروعًا وطنيًا لصناعة إنسان المستقبل. وكلما كان هذا المشروع واضح الفلسفة، معلن الأهداف، مشروح الأثر، ازداد اقتناع المجتمع به، وتحول من متابع للتغيير إلى شريك في إنجاحه. فالثقة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بالشفافية التي تشرحها، والحوار الذي يقرّبها، والنتائج التي تثبت جدواها.