د. ياسين علي محمد عزي
في زمن رؤية السعودية 2030، لم يعد التحول المؤسسي مجرد إعادة ترتيب للهياكل، بل أصبح اختبارًا لقدرة المؤسسة على أن تتجدد من دون أن تهدر ما راكمته من خبرة. فالدولة التي تعيد بناء قطاعاتها، وتوسع كفاءة مؤسساتها، وتربط الأداء بالأثر، لا تقيس نجاح التغيير بعدد الإدارات التي أُنشئت أو أُلغيت، وإنما بما أضافه التحول من قدرة، وما حفظه من معرفة، وما نقله من رصيد مؤسسي إلى المرحلة التالية.
ومن هنا تكتسب إعادة الهيكلة الجامعية معناها الحقيقي. فهي ليست تعديلًا في الرسم التنظيمي، ولا حدثًا إداريًا ينتهي بقرار أو دمج أو استحداث، بل لحظة تختبر فيها الجامعة قدرتها على أن تعيد تشكيل نفسها من دون أن تفقد ما راكمته عبر سنوات العمل. فالوظائف يمكن نقلها، والمسميات يمكن تغييرها، والوحدات يمكن دمجها أو توزيع اختصاصاتها، لكن المعرفة المؤسسية لا تنتقل تلقائيًا مع القرار؛ لأنها ليست مهام محفوظة في الهيكل، بل خبرة تشكلت في الإجراءات والبيانات واللجان والأدلة والمؤشرات والممارسات المهنية والعلاقات بين الجهات.
لذلك لا يقاس نجاح إعادة التنظيم بسرعة انتقال الأعمال، ولا بحجم التغيير في المسميات، وإنما بقدرة المؤسسة على حماية رأس مالها المعرفي أثناء التحول. فالهيكل قد يعاد رسمه خلال أسابيع، أما القدرة المؤسسية فتتكون ببطء؛ حين تختبر الإجراءات، وتراجع النتائج، وتتحول الخبرة اليومية إلى معرفة موثقة قابلة للنقل والتطوير والاستدامة.
هنا يظهر الفرق بين نقل الوظيفة ونقل القدرة المؤسسية. الأول يعني استمرار المهمة في ظاهرها؛ كتدريس مقرر، أو إعداد اختبار، أو إصدار نتيجة، أو تنفيذ عملية تقويم. أما الثاني فيعني انتقال الأنظمة التي تضبط المهمة، والبيانات التي تقيس أثرها، واللجان التي تطورها، والصلاحيات التي تضمن تحسينها، والخبرة البشرية التي تعرف كيف تعالج ما لا تذكره اللوائح. وقد يستمر العمل بعد الهيكلة بصورة طبيعية، بينما تكون المؤسسة قد فقدت تدريجيًا جزءًا من ذاكرتها إذا لم تنتقل هذه العناصر معه.
ولا يقتصر هذا التحدي على جامعة بعينها أو مجال أكاديمي محدد؛ فالجامعات تدير منظومات معرفية متشابكة، لا برامج دراسية فحسب. بعض الوظائف يبدأ في وحدة صغيرة، ثم يتسع نطاقه فيتحول إلى مركز أو معهد. وبعضها ينتقل إلى قسم أو كلية، أو يعاد توزيعه بين جهات عدة. ولذلك لا يكون السؤال الحوكمي: ما المسمى الأنسب فقط؟ بل: ما طبيعة الوظيفة؟ ومن يخدمها؟ وما مقدار استقلالها الفني؟ وما الذي تحتاج إليه لكي تبقى قادرة على التعلم والتطوير بعد انتقالها؟
ومن هذا المنطلق تقدم تجربة جامعة جازان مجالًا ثريًا لقراءة هذه التساؤلات، لا بوصفها حالة خاصة، وإنما مثالًا على التحولات التي تعرفها الجامعات حين تعيد ترتيب وظائفها. فقد تطورت وظيفة تعليم اللغة الإنجليزية من مركز إلى معهد، وناقش مجلس الجامعة تصورات أخرى لتنظيم تعليم اللغات، ثم أنشئ قسم اللغات الأجنبية في سياق إعادة الهيكلة. وفي مسار مواز، أنشئ مركز للقياس والتقويم ثم انتقل إلى ارتباط تنظيمي مختلف، كما استحدثت الجامعة مراكز ومكاتب وإدارات متخصصة استجابة لمتطلبات وأولويات العمل. تكشف هذه المسارات مجتمعة أن الموضوع لا يتعلق بقاء جهة أو زوالها، بل بكيفية انتقال الوظيفة والمعرفة والقدرة بين الأطر المختلفة.
بدأ أحد أبرز هذه المسارات بإنشاء مركز اللغة الإنجليزية بقرار مدير الجامعة رقم 4863/ق بتاريخ 15-4-1428هـ، ليتولى تقديم برامج اللغة الإنجليزية المكثفة والتخصصية لطلاب الجامعة وطالباتها. ثم شهدت الوظيفة تحولًا نوعيًا عندما صدرت موافقة وزارة التعليم بالقرار رقم 43940 بتاريخ 20-3-1440هـ على تحويل المركز إلى معهد للغة الإنجليزية يرتبط تنظيميًا بوكالة الجامعة للشؤون الأكاديمية.
لم تكن أهمية هذا التحول في الانتقال من مسمى إلى آخر، وإنما في اتساع الوظيفة وتعقدها. فاللغة الإنجليزية لم تعد خدمة تعليمية محدودة، بل وظيفة جامعية عابرة للكليات، تخدم آلاف الطلبة في تخصصات متعددة، وتتطلب إدارة موحدة، ومعايير متسقة، ومنظومة للاختبارات والتقويم والمتابعة والتطوير. وكان التحول إلى معهد تعبيرًا عن هذا الاتساع، لا مجرد توسع شكلي في الهيكل.
وفي العام الجامعي 1440-1441هـ ظهرت داخل مجلس الجامعة تصورات تنظيمية أخرى تعكس استمرار البحث عن الإطار الأنسب لوظائف تعليم اللغات.
ومن بين ما نوقش ترقية وحدة تعليم اللغات إلى مركز، إلى جانب مقترح دمج قسم اللغة الإنجليزية ومعهد اللغة الإنجليزية في كلية للغات الأجنبية. ولا تستحضر هذه التصورات بوصفها قرارات نافذة أو للمفاضلة بينها بأثر رجعي، بل لأنها تكشف أن المؤسسة قد تدرس أكثر من نموذج تنظيمي قبل أن تختار المسار الذي تراه أكثر توافقًا مع استراتيجيتها.
وفي سياق إعادة الهيكلة، صدر قرار مجلس الجامعة رقم 2-16-45 بتاريخ 30 أغسطس 2023م بإنشاء قسم اللغات الأجنبية، ليصبح الجهة الأكاديمية المشرفة على برامج اللغة الإنجليزية. ولا يقود استحضار القرار إلى الدعوة لاستعادة هيكل سابق؛ فاختيار البناء التنظيمي حق أصيل للمؤسسة. لكنه يفتح السؤال الملازم لكل تحول: هل انتقلت الأعمال وحدها، أم انتقلت معها المعرفة والأنظمة والبيانات والخبرات التي نمت حول الوظيفة عبر سنوات؟
تزداد أهمية السؤال لأن قسم اللغات الأجنبية أصبح كيانا للبرامج الأكاديمية المانحة لدرجات تختلف في طبيعتها عن برامج اللغة الإنجليزية المكثفة التي تستهدف معظم كليات الجامعة. فالبرامج الأكاديمية تقوم على خطط دراسية تخصصية، ومتطلبات اعتماد، وبحث علمي، ومسارات أكاديمية ممتدة. أما برامج اللغة الإنجليزية المكثفة فتتعامل مع أعداد كبيرة من الطلبة في كليات ومقرات متعددة، وتتطلب توحيد التنفيذ، وبناء اختبارات معيارية، ومتابعة مؤشرات الأداء، وإدارة التدخل المبكر لمعالجة فجوات التعلم. ويمكن أن يجتمع المساران داخل هيكل واحد، لكن نجاح هذا الاجتماع لا يتحقق بالجمع الإداري وحده، بل بوضوح ملكية الوظائف، وصلاحيات التطوير، وآليات القياس، واستمرار الأنظمة واللجان التي صنعت الجودة.
وفي هذا السياق يكتسب إيقاف القبول في برنامج بكالوريوس اللغة الإنجليزية للطلاب دلالة حوكمية تتجاوز القرار ذاته. فالمقصود ليس مناقشة سلامة القرار من عدمها، وإنما السؤال عن دورة القرار الأكاديمي: ما المعايير التي استند إليها؟ هل درست الحاجة المجتمعية وسوق العمل والطاقة البشرية المتخصصة؟ كيف قيس أثره في القسم وفي استدامة الخبرة الأكاديمية؟ وهل توجد آلية معلنة لمراجعة القرار إذا تغيرت المعطيات؟ فالقرارات الأكاديمية الكبرى لا تكتمل بإصدارها، بل بما يصاحبها من تحليل سابق، ومؤشرات متابعة، ومراجعة لاحقة تسمح للمؤسسة بالتعلم من أثرها.
بعد إنشاء قسم اللغات الأجنبية، تشكلت لجنة للبرامج المكثفة لتدبير المرحلة الانتقالية واستمرار الأعمال. ومن داخل هذه التجربة، وبعد نقاشات بين أبناء القسم حول الحاجة إلى إطار فني متخصص، صيغ مقترح متكامل لإنشاء وحدة للغة الإنجليزية تتولى إدارة برامج اللغة الإنجليزية المكثفة، وتوحيد تنفيذها، والمحافظة على أدوات القياس والتطوير المرتبطة بها. قدم المقترح إلى قسم اللغات الأجنبية، ثم طور و رفع لاحقًا إلى رئيس الجامعة. كما قدم زميل آخر تصورًا مختصرًا لوحدة أكثر محدودية.
ولا تذكر هذه المقترحات بوصفها نماذج كان يجب اعتمادها بالضرورة، ولا على أساس أنها أهملت؛ فالسجل المتاح لا يكفي لإثبات ذلك. إنما تكمن دلالتها في أنها تمثل معرفة مؤسسية ولدت من داخل الجامعة، واستندت إلى خبرة من مارسوا الوظيفة وعرفوا متطلباتها.
ومن هنا يبرز سؤال حوكمي أوسع من نتيجة أي مقترح: كيف تستقبل المؤسسة المبادرات التي ينتجها مختصوها؟ وما الآلية التي تضمن تقييمها مهنيًا؟ وهل يتلقى أصحابها تغذية راجعة توضح أسباب القبول أو التعديل أو عدم المضي؟ وكيف تحفظ المعرفة التي تضمنتها حتى عندما لا تعتمد بصورتها الأولى؟
إن حوكمة المبادرات الداخلية لا تعني إلزام المؤسسة باعتماد كل فكرة، بل تعني أن تكون للمبادرة دورة واضحة تبدأ بالتسجيل، ثم التقييم الفني، فالمفاضلة، ثم القرار والتوثيق. فقد لا يكون المقترح مناسبًا في توقيته أو حجمه أو تكلفته، لكن المعرفة التي أنتجته قد تبقى نافعة لمشروع لاحق. أما إذا انتهت المبادرات بانتهاء مراسلاتها، فإن المؤسسة تخسر جزءًا من قدرتها على التعلم من داخلها.
وفي عام 2025 أعلنت الجامعة مناقشة الخطوات التنفيذية لإنشاء مركز للغة الإنجليزية ضمن شراكة أكاديمية مع شركة إدفوي ومجموعة إن سي جي العالمية، في إطار عقد خدمات يهدف إلى دعم العملية التعليمية وبناء شراكات مع جامعات عالمية. والثابت في الإعلان هو مناقشة إنشاء المركز، لا اكتمال إنشائه أو بدء أعماله. وتكتسب هذه المحطة دلالة إضافية عند قراءتها في ضوء المقترحات الداخلية السابقة؛ فالمساران يلتقيان في تشخيص حاجة واحدة، هي وجود إطار متخصص يدير وظيفة تعليم اللغة الإنجليزية بعد إعادة الهيكلة، وإن اختلفا في الحجم والصيغة ومصدر المبادرة.
السؤال هنا ليس: أي المسارين أولى على نحو مسبق؟ فالشراكات الدولية مورد مهم لتطوير الجامعات. إنما السؤال: هل خضعت المعرفة الداخلية لتقييم موثق قبل الانتقال إلى التصور الجديد؟ وهل استفيد منها في تصميم الشراكة وتحديد احتياجاتها؟ وهل أشرك المختصون الذين راكموا الخبرة السابقة في صياغة المشروع؟ وما القيمة المحددة التي سيضيفها الشريك الخارجي إلى ما تملكه الجامعة بالفعل؟
لا يوجد تعارض في الأصل بين بناء الحل من داخل المؤسسة والاستفادة من الخارج.
المؤسسة الرشيدة تصغي إلى خبرتها الوطنية، ثم تستعين بالشريك الدولي لسد فجوة محددة أو إضافة قدرة جديدة. أما إذا بدأت الشراكة من دون حصر المعرفة القائمة، فقد تعيد المؤسسة شراء خبرات سبق أن بنت أجزاء منها، أو تبدأ من جديد في مسار كان يمكن تطويره انطلاقًا من تراكمها السابق. فالشراكة الأكثر نضجًا لا تستبدل الذاكرة الداخلية، بل توسعها.
وتكشف المؤشرات الرسمية اتساع وظيفة تعليم اللغة الإنجليزية؛ فقد كان المعهد في عام 1444هـ يشرف على تدريس 32 مقررًا لأكثر من 8000 طالب وطالبة في 12 كلية، بمشاركة نحو 250 عضوًا وعضوة. ولم تكن هذه مجرد أرقام تشغيلية، بل كانت تعكس منظومة تتطلب توحيد التنفيذ، وإدارة الاختبارات، والتنسيق بين الكليات والمقرات، وتحليل النتائج وتوجيه قرارات التطوير.
وخلف هذا العمل تشكلت معرفة مؤسسية شملت مواءمة الاختبارات مع مخرجات التعلم، والقياس القبلي والبعدي، وتحليل الأداء، ومراجعة المقررات، إلى جانب مبادرات للتجسير والتدخل المبكر اعتمدت على التشخيص والمتابعة. وقد أسهمت إحدى هذه المبادرات في تنفيذ أكثر من 3500 جلسة تعليمية استفاد منها آلاف الطلبة، وبلغ معدل اجتياز مقررات اللغة الإنجليزية 95 %. وتكشف هذه الممارسات أن قيمة الوظيفة لم تكن في استمرار الجداول وحده، بل في المعرفة التشغيلية التي تراكمت حولها وأصبحت قابلة للتطوير والنقل.
وامتد بناء القدرة المؤسسية إلى التطوير المهني؛ إذ قدّم عدد من أعضاء هيئة التدريس الحاصلين على شهادة «سلتا» (شهادة تدريس اللغة الإنجليزية للناطقين بغيرها) عشرات الورش التدريبية في مقرات الجامعة، بما أسهم في تحويل الخبرة الفردية إلى رصيد مؤسسي.
كما أطلقت الجامعة عام 2021 برنامج الماجستير في تدريس اللغة الإنجليزية للناطقين بغيرها، لتعزيز التأهيل الأكاديمي والتطبيقي في المنطقة، واتجه المعهد إلى طلب الأهلية للاعتماد الدولي، وتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني في التطوير المهني وتأهيل الطلبة للاختبارات الدولية. وامتدت الوظيفة إلى الترجمة الأكاديمية وتطوير إجراءات الرصد المبكر للدرجات بالتنسيق مع القبول والتسجيل. ويكشف ذلك أن الذاكرة التنظيمية لم تكن محفوظة في الملفات وحدها، بل كانت موزعة بين الأشخاص، والإجراءات والشراكات والأدلة.
وتقدم تجربة مركز القياس والتقويم نموذجًا موازيًا يفتح أسئلة حوكمية ومعرفية تتجاوز مجرد تغير الارتباط التنظيمي. فقد أُنشئ المركز عام 1444هـ مرتبطًا بوكالة الجامعة للشؤون الأكاديمية، ثم انتقلت وظيفته لاحقًا إلى عمادة التطوير والجودة ضمن تنظيم وصلاحيات مختلفة. ولا تكمن المسألة في المفاضلة المسبقة بين المركز والعمادة، وإنما في التحقق من أن الانتقال حافظ على المرجعية الفنية للقياس، وقواعد بياناته، وأدواته، وخبراته، وقدرته على تقديم معرفة مستقلة تسند القرار الأكاديمي.
وتزداد أهمية هذا السؤال عند المقارنة بتجارب جامعية أخرى؛ إذ استمر مركز القياس والتقويم في جامعة الملك خالد بوصفه إطارًا متخصصًا، تتصل به وحدات داخل الكليات وتستند إليه في تطبيق الأدوات وتحليل النتائج ودعم القرار المبني على الأدلة. ولا تعني المقارنة أن نموذجًا واحدًا يصلح لجميع الجامعات، لكنها تستدعي سؤالًا مشروعًا: هل جاء تغيير الموقع التنظيمي للوظيفة استجابة لتوجه وزاري موحد، أم كان خيارًا داخليًا اقتضته إعادة هيكلة الجامعة؟ وإذا كان خيارًا مؤسسيًا، فما المعايير التي قيس بها أثره في استقلال الوظيفة وكفاءة أدائها واستدامة معرفتها؟
فالقياس والتقويم ليسا إجراءين مساندين يمكن توزيعهما إداريًا فحسب، بل وظيفة تحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار. لذلك لا يكفي أن تستمر الاختبارات والتقارير بعد إعادة التنظيم؛ بل ينبغي أن تظل مرجعية المعايير، وحفظ قواعد البيانات، ومراجعة الأدوات، وتحليل النتائج، وتقديم التغذية الراجعة محددة بوضوح. وهنا يعود السؤال المركزي للمقال: هل انتقلت المهمة وحدها، أم انتقلت معها القدرة المؤسسية التي تمنحها معناها؟
ويؤكد تنوع البناء التنظيمي في الجامعة أن استحداث المراكز والوحدات المتخصصة ظل أداة حاضرة في إدارة الأولويات. ففي 6 نوفمبر 2025م وقعت الجامعة مذكرة تفاهم مع «أتوم كامب» لتأسيس «مركز مهارات المستقبل»، إلى جانب وجود أطر مثل مكتب إدارة الاستراتيجية وإدارة التصنيفات. ولا تستحضر هذه النماذج للقول إن جميع الوظائف يجب أن تتخذ شكل المركز، بل لإثبات أن الجامعة تستخدم صيغًا متعددة: مركزًا، ومعهدًا، وقسمًا، ومكتبًا، وإدارة. ومن ثم فإن المعيار لا ينبغي أن يكون المسمى، وإنما طبيعة الوظيفة، واتساع نطاقها، وعدد الجهات التي تخدمها، وحاجتها إلى الاستقلال الفني، وما تتطلبه من معرفة متخصصة.
من هذه المسارات يمكن استخلاص إطار عملي لقياس نجاح إعادة الهيكلة. تبدأ المراجعة بحصر الوظائف التي كانت تؤديها الكيانات السابقة، ثم تحديد الجهة التي أصبحت مسؤولة عن كل وظيفة. وبعد ذلك يفحص انتقال قواعد البيانات والأدلة واللجان والمعايير والصلاحيات والخبرات البشرية، لا الملفات الرسمية وحدها. كما تقاس آثار الهيكلة في جودة الخدمة وسرعة القرار واتساق التنفيذ وقدرة الجهة الجديدة على التطوير، لا في استمرار الأعمال اليومية فقط.
وتحتاج المؤسسة كذلك إلى مراجعة ما بعد التنفيذ. فالهيكل الجديد ليس نهاية القرار، بل فرضية تنظيمية ينبغي اختبارها. وقد تكشف الممارسة أن وظيفة ما تحتاج إلى استقلال أكبر، أو أن توزيعها بين أكثر من جهة أضعف التنسيق، أو أن بعض الصلاحيات لم تنتقل بوضوح. ولا تعد مراجعة القرار تراجعًا عنه، بل دليلًا على نضج المؤسسة وقدرتها على التعلم من نتائجها.
كما ينبغي أن تصبح المبادرات والتقارير واللجان جزءًا من ذاكرة مؤسسية قابلة للاستدعاء. فكل مقترح أعده أحد منسوبي الجامعة، وكل لجنة درست فجوة، وكل تقرير حلل أداء، يمثل مادة معرفية يمكن أن تبنى عليها مشروعات لاحقة. وقد لا يعتمد المقترح في صورته الأولى، لكن ذلك لا يلغي قيمة ما تضمنه من تشخيص وخبرة. المؤسسة التي توثق لماذا اختارت، ولماذا عدلت، ولماذا لم تمض، تكون أقدر على تفسير قراراتها وأقل عرضة لتكرار التجربة من نقطة البداية.
بهذا المعنى، لا تتمثل القضية في الدفاع عن معهد أو مركز أو قسم، ولا في تأييد إعادة الهيكلة أو معارضتها. فالتحول سنة المؤسسات الحية، واختيار البناء التنظيمي قرار تحدده الاستراتيجية والأولويات. إنما القضية في الفارق بين تغيير الشكل وبناء القدرة؛ بين أن تنتقل الأعمال، وأن تنتقل معها المعرفة التي صنعت جودتها.
قد تستمر المحاضرات، وتعد الجداول، وتجرى الاختبارات، وتصدر النتائج في مواعيدها، لكن الجودة لا تستمر لمجرد استمرار التشغيل. إنها تستمر حين يحمل الهيكل الجديد ذاكرة ما سبقه، وحين تصغي المؤسسة إلى خبرتها الداخلية قبل أن تبحث عما يكملها من الخارج، وحين تحول الشراكات إلى معرفة تبقى بعد انتهاء العقود، وحين تراجع قراراتها على ضوء ما تكشفه الممارسة.
لهذا لا تقاس جودة إعادة الهيكلة بما غيرته من مسميات، بل بما حافظت عليه من معرفة، وما أضافته من قدرة، وما جعلته أكثر وضوحًا واستدامة. فالوظيفة يمكن أن تنتقل بقرار، أما المعرفة فلا تنتقل إلا بحوكمة؛ والمؤسسة لا تحمل مستقبلها في رسمها التنظيمي وحده، بل في قدرتها على أن تحمل ذاكرتها معها وهي تتقدم إليه.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي