مجيب الرحمن بن عثمان العمري
من أكثر العبارات التي تتردد في بعض الأوساط الفكرية قولهم: «الصراع سنة كونية». وهي عبارة تُقال غالبًا وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش، حتى إن بعضهم يذهب إلى أبعد من ذلك فيزعم أن الله خلق البشر من أجل الصراع، ويستشهد بالحروب التي شهدها التاريخ، وببعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ليجعل من الصراع قانونًا يحكم الوجود وغايةً خُلق الإنسان من أجلها.
ولا أخفي أنني أختلف مع هذا الطرح اختلافًا جذريًا؛ لأن فيه خلطًا بين الواقع والغاية، وبين الوسيلة والمقصد.
نعم، وقع الصراع عبر التاريخ، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، لكن وجود شيء لا يعني أنه الغاية التي أرادها الله للإنسان. فالمرض موجود، ومع ذلك لم يُخلق الإنسان ليكون مريضًا. والفقر موجود، لكن أحدًا لا يقول إن الفقر هو الغاية من الحياة. وكذلك الظلم والجهل والكوارث؛ كلها حقائق واقعة، لكنها ليست مقاصد يُطلب تحقيقها.
إن القرآن الكريم لم يجعل الحرب أصلًا في العلاقة بين الناس، وإنما جعل الأصل هو العدل والسلام والإصلاح. ولذلك حرم الاعتداء، وشدد في حرمة الدماء، وجعل الصلح خيرًا، وأمر بالإحسان حتى مع المخالفين، فقال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}، وقال: {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}. ولو كان الصراع هو الغاية، لما كان السلام مقصدًا شرعيًا، ولا كانت المصالحة من أفضل الأعمال.
أما غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي يستشهد بها بعضهم، فإن قراءتها بمعزل عن ظروفها التاريخية تؤدي إلى نتائج مضللة. فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قائد حرب يبحث عن القتال، وإنما كان رسولًا يحمل مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا، ولم تكن المواجهات التي خاضها إلا ردًا على اعتداء، أو دفاعًا عن مجتمع ناشئ، أو حمايةً لحرية الدعوة. ولذلك انتهت رسالته بدخول الناس في الأمن، لا في الفوضى، وبإقامة مجتمع مستقر، لا بإدامة الحرب.
لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم أن الصراع جزء من التجربة الإنسانية، لكنهم اختلفوا في تفسيره. فرأى بعضهم أن الإنسان بطبيعته يميل إلى التنافس، بينما جعل آخرون التاريخ سلسلة من صراعات المصالح أو الطبقات. غير أن تحويل هذا الوصف إلى قانون أخلاقي، أو إلى رسالة ينبغي للبشر أن يعيشوا عليها، هو قفزة لا يبررها العقل ولا التاريخ.
إن الحضارات لا تُقاس بعدد معاركها، وإنما بعدد جامعاتها، ومختبراتها، ومكتباتها، ومراكز أبحاثها، ومستوى حياة شعوبها. ولم تبلغ أمة مكانتها لأنها أتقنت الحرب، بل لأنها عرفت كيف تجعل السلام بيئة للإنتاج والإبداع.
وليس أدل على ذلك من اليابان. فبعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة ومدمرة، لم تبن نهضتها على الانتقام، بل على التعليم، والانضباط، والصناعة، والاستقرار. وخلال عقود قليلة أصبحت من أعظم الاقتصادات في العالم، رغم فقرها النسبي في الموارد الطبيعية. لقد انتصرت بالسلام أكثر مما كان يمكن أن تنتصر بأي حرب.
وفي المقابل، انظر إلى كثير من أوطاننا العربية التي استنزفتها الحروب والصراعات الداخلية. كم من ثروة أهدرتها البنادق؟ وكم من عقل هاجر؟ وكم من مشروع تنموي توقف؟ لقد تحولت الموارد إلى وقود للنزاعات، وأصبحت بعض الدول رهينة للصراعات الإقليمية والدولية، حتى تأخر العلم، وضعف الاقتصاد، واتسعت دوائر الفقر والبطالة.
إن أخطر ما يواجه الأمم ليس وجود الصراع، بل الإيمان بأنه قدرٌ لا مفر منه، أو فضيلة يجب المحافظة عليها. فعندما تؤمن المجتمعات بأن الصراع هو الأصل، فإنها تربي أبناءها على الشك بدل الثقة، وعلى الخصومة بدل الحوار، وعلى الانتصار على الآخر بدل الانتصار على الجهل والتخلف.
إن الإنسان لم يُخلق ليقاتل أخاه الإنسان، وإنما خُلق ليعمر الأرض، ويبني الحضارة، ويقيم العدل، ويحقق الاستخلاف الذي أراده الله له. وقد يقع الصراع عندما يعتدي معتدٍ، أو يظلم ظالم، لكن هذا لا يجعل الصراع غاية، بل يجعله استثناءً تفرضه الضرورة، تمامًا كما يلجأ الطبيب إلى الجراحة عندما تفشل وسائل العلاج الأخرى.
ولهذا فإنني لا أؤمن بأن الصراع سنة كونية بالمعنى الذي يردده بعضهم، وإنما أؤمن بأن التدافع هو السنة التي تمنع الفساد، وأن السلام هو الغاية التي ينبغي أن ينتهي إليها هذا التدافع. فهناك فرق كبير بين أن يكون الصراع مشروعًا دائمًا، وبين أن يكون مقاومةً للظلم حتى يعود الناس إلى الأمن والعدل.
إن الأمم العظيمة لا تُخلد لأنها خاضت أكثر الحروب، وإنما لأنها استطاعت أن تجعل من السلام مشروعًا للحياة، ومن الإنسان غايةً للتنمية، ومن العلم طريقًا للقوة، ومن العدل أساسًا للاستقرار.
وسيظل السلام، في نظري، أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية؛ لأنه وحده الذي يسمح للحضارة أن تُبنى، وللعلم أن يزدهر، وللإنسان أن يعيش كما أراد الله له: آمنًا، كريمًا، وعامرًا للأرض.