صالح الشادي
يقف الإنسان بين حقيقة قرآنية تعلن كمال تكوينه، ورواية علمية تراه مجرد حلقة عابرة في سلسلة طويلة من التحولات البيولوجية. لكن التأمل الفلسفي الهادئ يكشف لنا أن الخلاف ليس بين الدين والعلم، بل بين نظرتين مختلفتين لمعنى «التغير» ذاته. حين يقول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، فهو يثبت أن الجوهر الإنساني قد اكتمل منذ البداية، وأن هذا الكمال ليس مجرد وصف جمالي، بل حقيقة وجودية تشمل الجسد والعقل والقابلية للمعنى. أما ما يظنه البعض تطوراً، فهو في الحقيقة ليس تحولاً في الخلقة، بل ائتلاف وتكيف مع تقلبات المكان والزمان، باستخدام الأدوات التي أودعها الله فيه منذ اللحظة الأولى.
إن التطور الذي يتحدث عنه العلماء يفترض أن الكائن يخضع لضغوط خارجية تفرض عليه تغييراً عضوياً عشوائياً، حتى ينجو. لكن الإنسان ليس كغيره من المخلوقات، فهو لا ينتظر أن تنمو له خياشيم حين يواجه البحر، بل يخترع غواصة، ولا ينتظر أن تنمو له أجنحة حين يواجه الجو، بل يصنع طائرة. هذا الفعل الإنساني العجيب يثبت أن آلة التكيف ليست في الجينات التي تتغير ببطء، بل في العقل الذي ينطلق بسرعة الضوء. ولذلك قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، أي بينا له طريق الخير والشر، طريق العلم والجهل، فجعلنا الأدوات العقلية والاختيارية بين يديه، ولم نجعله أسيراً لقوانين الطبيعة العمياء. هو حر لأنه يعرف، وهو قوي لأنه يختار، وهذا هو سر قدرته على التكيف مع كل البيئات دون أن يفقد هويته الإنسانية.
ولو كان الإنسان نتيجة صدفة طبيعية وتطوراً تدريجياً من كائنات أدنى، لكان من المنطقي أن تتنوع أشكال البشر بتنوع بيئاتهم، كما تتنوع ألوان العصافير ومناقيرها، ولكننا نجد أن الجوهر التشريحي للإنسان واحد في القطب المتجمد وفي خط الاستواء، وفي أعماق التاريخ وفي حاضرنا الرقمي. الاختلافات سطحية، أما البنية العميقة للعظام والأعصاب وقدرة الدماغ على التجريد فهي متطابقة تماماً منذ عشرات الآلاف من السنين. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: كيف لنظرية التطور أن تفسر وجود قدرات إنسانية تتجاوز بكثير متطلبات البقاء اليومية؟ فالخيال والحلم والأخلاق والشوق إلى اللانهاية ليست أدوات للصيد أو الهروب من العدو، بل هي فضيلة زائدة تعكس أن الإنسان خلق لغاية أعلى من مجرد العيش، وهي الاستخلاف وعمارة الأرض.
لقد دعانا الله إلى النظر في أنفسنا حين قال: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون». وهذه الرؤية الذاتية هي المفتاح لفهم طبيعة التكيف الحقيقي. حين ننظر إلى تركيبنا العصبي، نجد أننا لا نتكيف مع البيئة بانفعال، بل بفعل إرادي واعٍ. البيئة لا تصنعنا، بل نحن من نصنع معنى البيئة. فالإنسان في الصحراء لم يتحول إلى زاحف ليتحمل الحر، بل ابتكر الملابس الخفيفة والبيوت المكيفة، وفي القطب لم يتحول إلى دب قطبي، بل ابتكر الملابس الثقيلة والمدافئ. كل هذه الاختراعات ليست خروجاً عن الخلقة، بل هي تحقيق للخلقة، لأن العقل الذي أوتيه هو جزء من «أحسن تقويم»، وهو قادر على فك شفرات الكون وتسخير قوانينه، دون أن يغير الله في خلقته شيئاً.
النتيجة الجوهرية التي نصل إليها هي أن مفهوم «التكيف» يجب أن ينفصل عن مفهوم «التطور» الفيزيائي؛ فالأول فعل إنساني نبيل، والثاني فرضية علمية قاصرة. الإنسان ليس كائناً ناقصاً يسعى لسد عجزه، بل هو كائن كامل يسعى لإظهار كماله في كل زمان ومكان. كل حضارة جديدة، وكل اختراع مبهر، ليس دليلاً على أن الإنسان أصبح كائناً مختلفاً، بل دليلاً على أنه استطاع أن يستخرج من أعماق نفسه ومن أعماق الكون ما كان كامناً منذ الأزل. إنه يكتشف، لا يتطور، يظهر ما هو مخبوء، لا يتحول إلى شيء آخر.
في نهاية المطاف، إن إنسان «أحسن تقويم» يتعامل مع متغيرات العصر بثبات الجوهر ومرونة الروح. هو شجرة تبقى جذورها في عمق التربة الإلهية، بينما تمتد أغصانها في كل اتجاه لتظلل كل العصور. التكيف عنده ليس هروباً من النقص، بل هو توسيع لدائرة الفعل الإنساني، وإثبات أن الخليفة لله في الأرض قادر على حمل الأمانة حيثما حل. فالإنسان إذن هو الكائن الوحيد الذي تتغير أدواته ولا تتغير غايته، وتتنوع أساليبه ولا يختل دستوره، وهذا هو البرهان الأكبر على أنه لم يأت عن طريق المصادفة، بل عن طريق قصد حكيم جعله مهيمناً على الطبيعة لا منقاداً لها، وجعله في كل مكان يتكيف دون أن يتغير في جوهره، لأنه في كل مكان هو الإنسان، وهو صورة الكمال الإلهي في مرآة الأرض.