إيمان الحميد
لا يرسم الفنان المكان كما هو؛ لأن المكان لا يصل إلى العين منفصلًا عن الذاكرة. فما نراه لا يمر أمامنا بوصفه شكلًا خالصًا، بل محمّلًا بتجارب سابقة، وعواطف متراكمة، ومعانٍ قد لا تظهر في الحجر أو الأفق، لكنها تستقر في الداخل. لذلك لا يكون رسم المدينة نقلًا لمعالمها بقدر ما يكون كشفًا عن الطريقة التي عاش بها الفنان تلك المدينة، وعن الأثر الذي تركته فيه.
حين يختار الفنان نافذة دون أخرى، أو يمنح البحر مساحة تتجاوز حجمه الواقعي، أو يحذف ملامح وجه، أو يجمع عناصر لا تجتمع في مشهد واحد، فإنه لا يسجل المكان، بل يعيد تأليفه. وهذه الإعادة ليست خيانة للواقع، وإنما اعتراف بأن الفن لا يبدأ من الواقع وحده، بل من العلاقة التي تنشأ بينه وبين من يراه.
هنا يظهر الفارق الجوهري بين الوثيقة والعمل الفني. الوثيقة مطالبة بالدقة، وبحفظ الوقائع، وبالحد من تدخل صاحبها قدر الإمكان. أما اللوحة فلا تُطلب منها الحيادية، بل إن ادعاء الحياد يناقض طبيعتها؛ فكل ما يظهر فيها نتيجة اختيار: موضع الضوء، ودرجة اللون، والمسافة بين العناصر، وما يُبرز وما يُخفى، وحتى المساحات التي تُترك صامتة.
لا يستطيع الفنان أن يكون مرآة للمكان؛ لأن المرآة لا تشعر بما تعكسه، بينما يبدأ الفن من الأثر الذي يتركه المرئي في النفس. ولهذا لا تكون ذاتية الفنان عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل تصبح جزءًا من حقيقة العمل. فالمكان الذي يعبر الذاكرة لا يخرج منها كما دخل، وإنما يُعاد ترتيبه وفقًا لما بقي منه، وما تبدل، وما اكتسب معنى مع مرور الزمن.
قد يبدو هذا التدخل ابتعادًا عن الحقيقة، لكنه في جوهره بحث عن نوع آخر منها. فالحقيقة البصرية ليست الشكل الوحيد للحقيقة؛ هناك حقيقة شعورية لا تلتقطها الصورة الدقيقة، وحقيقة زمنية تتجاور فيها الأزمنة بدل أن تنتظم في خط مستقيم، وحقيقة شخصية تجعل بابًا صغيرًا أو شارعًا عابرًا أكثر حضورًا في الوجدان من معلم شهير.
والفنان لا يزوّر المدينة عندما يغير نسبها أو يعيد ترتيب عناصرها داخل اللوحة؛ بل يكشف أن المدينة التي تسكن الذاكرة ليست نسخة مطابقة من المدينة التي تثبتها الخرائط. فالخريطة تحدد موضع المكان، لكنها لا تستطيع أن تحدد موضعه في الإنسان.
لهذا تبدو اللوحة أقل انشغالًا بسؤال: كيف يبدو المكان؟ وأكثر اقترابًا من سؤال آخر: ماذا فعل المكان بنا؟
هذا التحول يحرر الفن من عبء المحاكاة، ويفتح أمامه مجالًا أوسع لفهم العلاقة بين الإنسان وبيئته. فالمدن لا تشكل ملامحنا الخارجية فحسب، بل تشارك في تكوين لغتنا وذائقتنا وإيقاعنا الداخلي. بعضها يعلّمنا البطء، وبعضها يربينا على الحركة، وبعضها يترك فينا اتساعًا يشبه البحر، وبعضها يجعلنا أكثر التصاقًا بالذاكرة.
وحين يرسم الفنان مدينة عاش فيها طويلًا، فإنه لا يرسمها وحدها، بل يرسم جزءًا من تكوينه الشخصي. فالمدينة تتسلل إلى اختياراته حتى من حيث لا يقصد: إلى الألوان التي يطمئن إليها، والمساحات التي يمنحها للضوء، والحركة التي تسكن التكوين، والعناصر التي يصر على إبقائها أو يقرر إخفاءها.
ولهذا تختلف لوحتان للمكان نفسه، حتى لو انطلق الفنانان من المشهد ذاته. قد يرى أحدهما العمارة، بينما يرى الآخر ما تبقى منها. قد ينشغل الأول بحضور الإنسان، وينشغل الثاني بغيابه. وقد يجعل أحدهما المدينة عامرة بالحركة، بينما يقدمها الآخر بوصفها مساحة صامتة يمر فيها الزمن ببطء.
ولا يمكن القول إن أحدهما أكثر صدقًا من الآخر لمجرد أنه اقترب من التفاصيل الواقعية؛ فصدق الفن لا يقوم على التطابق، وإنما على اتساق الرؤية. والعمل الصادق ليس ما يعيد ما نعرفه عن المكان، بل ما يكشف لنا فيه طبقة لم نكن ننتبه إليها.
غير أن حرية الفنان في إعادة صياغة المدينة لا تعفيه من المسؤولية. فإعادة تخيلها لا تعني تحويلها إلى مجموعة من الرموز الجاهزة، ولا استهلاك مفرداتها التراثية بوصفها علامات سهلة التعرف. فكثير من الأعمال تضع بابًا قديمًا، أو نافذة تراثية، أو جزءًا من عمارة شعبية، ثم تظن أنها بذلك أمسكت بروح المكان.
لكن الرمز حين يُفصل عن التجربة يتحول إلى زينة، وحين يُستخدم لمجرد إثارة الحنين يفقد قدرته على إنتاج معنى جديد. ليست قيمة العنصر التراثي في كونه قديمًا، وإنما في العلاقة التي يصنعها داخل العمل، وفي السؤال الذي يفتحه بين الماضي والحاضر، وبين ما بقي وما تغير.
فالعمل الفني لا يكتسب قيمته من عدد العلامات التي تثبت انتماءه إلى مدينة بعينها، بل من قدرته على تجاوز العلامة إلى المعنى. وقد تكون نافذة واحدة أكثر تعبيرًا عن حي كامل من مشهد مزدحم بالتفاصيل، كما قد يختصر خط أزرق إحساسًا بالبحر، أو تستدعي حركة قماش إيقاع الريح، أو يحمل باب موارب معنى الانتظار والعبور والذاكرة.
هنا تظهر أهمية الاختزال بوصفه موقفًا فنيًا، لا مجرد أسلوب شكلي. فالفنان لا يحتاج إلى حشد جميع معالم المكان كي يثبت حضوره؛ بل قد تكون الإشارة القليلة أكثر قدرة على الاستحضار من المشهد المكتمل، لأنها تترك للمتلقي مساحة يدخل منها إلى العمل بذاكرته الخاصة.
الاختزال لا ينتقص من المعنى، بل يحرره من المباشرة. وكلما قال العمل أقل، أتاح للمتلقي أن يرى أكثر. أما العمل الذي يشرح نفسه بالكامل، ويغلق احتمالات القراءة، فإنه ينتهي عند حدوده البصرية ولا يواصل حياته داخل المشاهد.
ومن هذا المنطلق، لا يعني غياب ملامح الوجه في بعض الأعمال إلغاء الإنسان، بل قد يكون وسيلة لتوسيع دلالته. حين يكون الوجه محددًا بصورة كاملة، نتعامل غالبًا مع فرد بعينه؛ أما حين تُختصر ملامحه أو تُحجب، فإنه يتحول إلى مساحة أكثر اتساعًا: قد يكون الفنان، أو المتلقي، أو المدينة ذاتها.
لا يعود الجسد عندئذ شخصية مكتملة السيرة، بل يصبح حاملًا للذاكرة، ووسيطًا بين المكان ومن ينظر إليه. ويغدو الفراغ في الوجه حضورًا من نوع آخر؛ حضورًا لا يفرض هوية واحدة، بل يسمح للمعنى بأن يتوزع بين احتمالات متعددة.
كما لا يعود الجسد منفصلًا عن المكان. فقد تمتد حركة القماش في اتجاه البحر، أو تتكرر في انحناءاته حركة الموج، أو يستعير لونًا من العمارة المحيطة به، فتنشأ علاقة تجعل الإنسان والمكان جزءين من تركيب واحد. لا يقف الشخص أمام المدينة بوصفه زائرًا، ولا تصبح المدينة خلفية محايدة له؛ بل يعيد كل منهما تعريف الآخر.
وحين تنجح هذه العلاقة، تتجاوز اللوحة المشهد السياحي. فالمدينة السياحية تُعرض من الخارج، أما المدينة الفنية فتُستعاد من الداخل. الأولى تُعرَّف بمعالمها، والثانية تُكشف من خلال الأثر الذي تتركه في أبنائها.
هذا السؤال رافقني وأنا أعمل على تجربة بصرية تتصل بجدة. لم يكن ما يشغلني عدد المعالم التي ينبغي أن أضعها حتى يتعرف المشاهد إلى المدينة، ولا مدى الدقة التي يجب أن أنقل بها تفاصيلها المعمارية. كان السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن أن أرسم جدة التي أعرفها أنا، لا صورتها المتداولة؟ وكيف أجعل المدينة تُرى من الداخل، لا بوصفها مشهدًا جاهزًا، بل خبرة عاشت طويلًا في الوجدان؟
فجدة التي يحملها الإنسان في داخله ليست لقطة واحدة. هي البحر والرواشين والأبواب والنوارس، لكنها أيضًا الإيقاع الذي يجمع هذه العناصر، والضوء الذي يمر بينها، والحنين الذي يمنحها معنى يتجاوز أشكالها. إنها أزمنة متجاورة، ومشاهد قد لا تلتقي في الواقع، لكنها تجتمع في الذاكرة من غير تناقض.
لهذا لم أرَ ضرورة لأن تخضع العلاقات داخل اللوحة لمنطق المكان الواقعي. فالذاكرة نفسها لا تعمل بهذه الطريقة؛ إنها تنتقي وتقرّب وتُبعد، وتضخم عنصرًا وتختزل آخر، وتضع لحظات متباعدة جنبًا إلى جنب. إنها لا تستعيد المدينة كما حدثت، بل كما بقيت.
أما المرأة الحاضرة في العمل، فلم تكن شخصية أرغب في تقديم هويتها الفردية، ولم تكن صورة مباشرة لي. كانت أقرب إلى وسيط بين المدينة ومن ينظر إليها؛ جسدًا يحمل المكان كما يحمل الإنسان أثر مدينته في لغته وحركته ونظرته إلى العالم.
وكان اختزال الملامح مقصودًا، حتى لا تُغلق الدلالة داخل سيرة واحدة. أردت لها أن تظل بين احتمالات متعددة: قد تكون ابنة المدينة، وقد تكون المدينة نفسها، وقد تكون كل إنسان يشعر أن مكانًا ما لم يعد يقع خارجه، بل أصبح جزءًا من تكوينه.
وحين يتصل امتداد القماش بحركة البحر، لا تعود المرأة أمام الساحل، بل يصبح البحر جزءًا من حضورها. كأن المدينة ارتدت ماءها، وحملت في جسدها ما تركه الساحل فيها من حركة واتساع. عندها لا يكون البحر خلفية، ولا تكون المرأة موضوعًا منفصلًا؛ بل يتشكل كلاهما داخل صورة واحدة لا تحدد أين ينتهي الإنسان وأين تبدأ المدينة.
ولم أتعامل مع العناصر المعمارية بوصفها مادة للتوثيق، بل بوصفها أجزاء من بناء وجداني يجمع الجسد والبحر واللون والذاكرة. فالعمل لا يقول: هذه هي جدة. بل يقترح: هكذا يمكن أن تُحس جدة من الداخل. والفرق بين العبارتين هو الفرق بين العرض والتجربة، وبين المشهد والرؤية.
الفن لا يحفظ المدن بأن يجمدها في هيئة مثالية، بل بأن يسمح لها بأن تُقرأ من جديد. فالمدينة التي تتحول إلى صورة ثابتة تفقد شيئًا من حياتها، لأنها تُختصر في هيئة واحدة تتكرر حتى تبهت. أما حين يعيد الفنانون تخيلها، كلٌّ وفق تجربته، فإنها تظل مفتوحة على أكثر من زمن، وأكثر من وجه، وأكثر من معنى.
وقد يكون هذا التجدد أحد أعمق أشكال الوفاء للمكان؛ فالوفاء لا يعني تكرار صورته القديمة، ولا حبسه داخل الحنين، بل إبقاء علاقته بالحاضر حية وقابلة للسؤال. المدينة التي نحبها لا تحتاج منا إلى أن نعيد إنتاجها كما كانت، بل إلى أن نكتشف باستمرار ما لا يزال فيها قادرًا على مخاطبتنا.
ولعل مسؤولية الفنان هنا لا تتمثل في أن يكون مؤرخًا موازيًا، ولا مرشدًا بصريًا للمدينة، بل شاهدًا ذاتيًا يعترف بحدود رؤيته. يقول، ضمنًا: هذه ليست المدينة كلها، بل المدينة كما عبرتني.
ومن هذا الاعتراف تنشأ قيمة العمل؛ لأن الرؤية الشخصية حين تكون عميقة لا تنغلق داخل الذات، بل تنفتح منها إلى المشترك الإنساني. وكلما كان الفنان صادقًا في الكشف عن علاقته بالمكان، وجد الآخرون في عمله شيئًا من علاقاتهم هم بأمكنتهم، حتى لو لم يعرفوا المدينة التي رسمها.
فالمدن لا تعيش في عمرانها وحده، بل في الصور التي يصنعها عنها أبناؤها، وفي القصائد والروايات والأغاني واللوحات التي تمنحها أكثر من حياة. وما يبقى منها في الفن ليس نسخة محفوظة، بل علاقة مستمرة بين المكان ومن حمله داخله.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم: هل نجح الفنان في رسم المدينة؟ بل: هل استطاع أن يجعلنا نراها كما لو أننا نكتشف، للمرة الأولى، شيئًا كان يسكننا منذ زمن؟
** **
- فنانة تشكيلية سعودية