أ.د.عثمان بن صالح العامر
مر بي إبان الأيام القليلة الماضية موقف شخصي، ذكرني بمشهد الرجل الذي كان له دين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء يطالبه به، وأغلظ عليه في القول حتى همَّ بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن يزجروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في وسط هذا المشهد الذي يومئ بالنيل من هيبته بأبي هو وأمي في حضرة صفوة صحابته (دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالًا).
يا الله.. تأمل معي روعة وعظمة الطريقة التي أدار بها عليه الصلاة والسلام الموقف. إذ لم يسمح لأصحابه رضوان الله عليهم أن يجعلوا مكانته النبوية سببًا لإسكات صاحب الحق، ولم يعتبر أن رفع الصوت عليه أو الإلحاح في المطالبة بالدين انتقاص من قدره، بل قرر قاعدة إنسانية وقانونية وأخلاقية ستظل نبراسًا للأمم: (فإن لصاحب الحق مقالًا).
كم نحتاج اليوم إلى استحضار هذه القاعدة في حياتنا العامة والخاصة. فكم من صاحب حق أياً كان هذا الحق (مالاً، ترقية، درجة في امتحان، وظيفة في مؤسسة، ...) أُسكت لأنه أقل منزلة ممن يطالبه! وكم من مظلوم طُلب منه أن يصمت بحجة الأدب أو المجاملة أو المحافظة على العلاقات! وكم من موظف أو عامل أو متعاقد أو طالب أصبح هو المعتذر، مع أنه يطالب بحق ثابت له!، لأنه الطرف الأدنى منزلة.
لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمي الحق قبل أن يحمي الأشخاص، وأن يصون الكرامة قبل أن يصون المناصب. فالحق لا يتغير بتغير منزلة صاحبه أو منزلة من يطالبه. ولو كان المدين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن للدائن أن يتحدث، وأن يطالب، وأن يُسمع صوته. وهذا هو الفرق بين المجتمعات التي تقدس الأشخاص، والمجتمعات التي تقدس المبادئ. فحين يصبح الإنسان لمنصبه وكرسيه الذي هو فيه فوق القانون تضيع الحقوق، أما حين يكون القانون والعدل فوق الجميع، فإن الناس يأمنون على ممتلكاتهم، ويحصلون على حقوقهم المادية والمعنوية كاملة غير منقوصة وفي ذات الوقت تحفظ لهم كراماتهم التي هي منحة من الرب عز وجل لبني آدم قاطبة.
ولعل اللافت في هذا الموقف أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكتفِ بالسماح للرجل -الذي لا نعرف حتى اسمه- بالكلام، بل علّم أصحابه رضوان الله عليهم جميعاً ونحن من بعدهم درسًا في إدارة الخلاف. إذ ربما يقع بعض المحبين في خطأ أكبر من خطأ خصومهم عندما يمنعون صاحب الحق من التعبير، أو يهاجمونه لأنه طالب بما هو له، كما حدث من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الرجل الذي جاء يطالب بحقه.
إن المؤسسات الناجحة، والأسر المستقرة، والمجتمعات المتحضرة، كلها تقوم على هذه القاعدة النبوية: أن يشعر صاحب الحق بأنه يستطيع أن يتكلم دون خوف، وأن يطالب دون أن يُتهم، وأن يُسمع دون أن يُقاطع. وهذا لا يعني طبعا إباحة سوء الأدب أو التجاوز، فالإسلام جمع بين حفظ الحقوق وحسن الخلق، لكنه لم يجعل حسن الخلق وسيلة لإضاعة الحقوق، ولم يجعل المطالبة بالحق وقاحة أو خروجًا عن الأدب.
إن عبارة (فإن لصاحب الحق مقالًا) ليست جملة قيلت في حادثة عابرة، بل هي مبدأ حضاري متكامل قيل والرسول عليه الصلاة والسلام في موقف المطالب بأداء الحق لطالبه. إنها إعلان بأن الكرامة الإنسانية تبدأ من حق الإنسان اياً كان في أن يتحدث دفاعًا عن حقه، وأن العدالة لا تكتمل إلا إذا أُتيح لصاحب الحق أن يعبر عن مظلمته، وأن يُنصف دون رهبة أو تمييز.
أتمنى أن هذه القاعدة النبوية تُكتب في مداخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وتُدرَّس في كليات الحقوق وأقسام القانون، وتُغرس في نفوس الأبناء، والطلبة، والموظفين، والنساء، وقبل هذا وذلك ترسخ في ذهنية المسؤولين، والإداريين، والأكاديميين، والمعلمين، ورجال الأعمال، والأزواج، لأن الأمم لا تنهض بصك الأنظمة وحدها، وبإصدار القوانين والتشريعات فحسب، وإنما تنهض حين يؤمن أفرادها أن الحقوق لا تضيع بالمكانة، ولا تُمنح بالمجاملة، وأن العدل يسمو على الأشخاص جميعًا. وهكذا علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد ولد آدم، أن عظمة الإنسان لا تظهر حين ينتصر لنفسه، وإنما حين ينتصر للحق ولو كان عليه، وأن أسمى صور القيادة والإدارة أن تجعل الحق أعلى من هيبتك، والعدل أسبق من مكانتك، دمتم بخير، وإلى لقاء، والسلام.