د. عبدالحق عزوزي
من المسلَّم به أن الكون لا يعرف الجمود المطلق، وأن التغير والتطور يمثلان إحدى السنن الكبرى التي تحكم الوجود. فكل ما ينتجه الإنسان من معارف ونظريات وتفسيرات يبقى خاضعًا للمراجعة والتصويب والتجاوز، وهو ما تؤكد عليه مختلف المدارس الفكرية المعاصرة وفلسفات العلم التي تنظر إلى المعرفة بوصفها مشروعًا مفتوحًا على النقد والتجديد. غير أن هذا المبدأ لا ينسحب على النصوص القطعية في الدين، إذ يقوم الإسلام على ثوابت عقدية وتشريعية نصية تمثل المرجعية المؤسسة، بينما يظل مجال الاجتهاد واسعًا فيما يتصل بتنزيل هذه النصوص على الواقع المتغير وفهم مقاصدها في ضوء المستجدات.
ومن ثم، فإن العلوم الإنسانية والطبيعية، على اختلاف مجالاتها، ليست حقائق نهائية أو مطلقة، وإنما هي محاولات متجددة لفهم الظواهر والكشف عن قوانينها. فالعالم الحقيقي لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لأن الحقيقة المطلقة لله سبحانه وتعالى وحده، أما المعرفة البشرية فهي نسبية، مرتبطة بحدود العقل الإنساني وأدواته وإمكاناته. ولهذا تبقى كل نتيجة علمية قابلة للاختبار والمراجعة، بل ربما للتفنيد إذا ما ظهرت معطيات أكثر دقة أو مناهج أكثر تطورًا.
ومن هنا فإن قيمة العلم لا تكمن في مجرد إنتاج المعرفة، بل في قدرته على الإسهام في بناء الإنسان وتطوير المجتمع. فالعلوم، سواء كانت طبيعية أو إنسانية أو اجتماعية، لا ينبغي أن تكون حبيسة الكتب أو رفوف المكتبات، ولا أن تقتصر وظيفتها على إعداد المقررات الدراسية، وإنما رسالتها الأساسية أن تسهم في إصلاح مؤسسات الدولة، وتعزيز التنمية، وتحسين جودة حياة الأفراد، واستشراف حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه الأوطان والشعوب.
لقد أثبت التاريخ أن مبدأ التطور هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم حركة الكون والحياة. فمن خلاله استطاع الإنسان أن يحقق ما نشهده اليوم من تقدم علمي وتقني غير مسبوق، بل أصبح التطور إطارًا تفسيرياً لكثير من الظواهر البيولوجية والإنسانية والاجتماعية. غير أن الإشكال لم يكن يومًا في الإيمان بوجود الثوابت، وإنما في الخلط بين ما هو ثابت وما هو متغير، وفي توسيع دائرة الثابت حتى تشمل ما هو بطبيعته قابل للاجتهاد والتطور. ولعل هذا الخلط كان أحد الأسباب التي أسهمت في حالة الجمود التي عرفها الفكر الإسلامي في مراحل تاريخية معينة، حين غلب التقليد على الإبداع، والاكتفاء باستحضار اجتهادات السابقين على مواصلة البناء عليها، حتى شاع الحديث عن إغلاق باب الاجتهاد، وأصبحت كثير من القضايا المستجدة تُقاس على واقع مغاير دون مراعاة التحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات الإنسانية. وقد نبه عدد من المفكرين، ومنهم العلامة محمد الكتاني، إلى أن دخول المسلمين في التاريخ الحديث، بما يحمله من تغيرات متسارعة، يفرض إعادة النظر في آليات التفكير، والإيمان بأن التطور سنة من سنن الله في الاجتماع الإنساني، وأن الوفاء للثوابت لا يعني الجمود أمام المتغيرات.
ومن أبرز الإشكالات التي ما زالت تلقي بظلالها على مسارنا العلمي والمعرفي قضية الثابت والمتغير. فرغم حضورها الواضح في القرآن الكريم والسنة النبوية، ورغم معالجتها المتفرقة في تراث كبار علماء الأمة، فإنها لم تحظ بالجهد العلمي الكافي الذي يحولها إلى نظرية متكاملة تؤسس لمنهج جديد في الاجتهاد. وقد أدى هذا النقص إلى تضييق مساحات الإبداع في بعض فروع العلوم الإسلامية، وإلى التعامل مع كثير من الأحكام والاجتهادات التاريخية باعتبارها ثابتة، مع أنها في حقيقتها اجتهادات بشرية ارتبطت بظروفها وسياقاتها. ثم إنه لو توقف الإنسان عن الحوار مع الكون لما عرف الثورة الطبية، ولا علوم الذكاء الاصطناعي، ولا تكنولوجيا الفضاء، ولا مختلف الإنجازات التي غيرت وجه الحضارة الإنسانية. فكل هذه المنجزات كانت ثمرة حوار دائم مع الطبيعة، قائم على الملاحظة والتجربة والنقد والتطوير. وبالمنطق نفسه، فإن الأمة الإسلامية مطالبة اليوم باستئناف حوارها العميق مع الوحي، حوارًا يجمع بين النص والواقع، وبين المقاصد والمتغيرات، وبين ثوابت الدين وسنن العمران.
إن المستقبل يقتضي منا بناء مناهج جديدة في التفكير، تقوم على ثقافة الإنتاج والإبداع لا على ثقافة الاستهلاك والتقليد، وعلى الاجتهاد المسؤول لا على الانغلاق الفكري. فبهذه الروح وحدها يمكن أن نستوعب العلاقة الدقيقة بين الثابت والمتغير، وأن نفتح آفاقًا واسعة للتجديد الفقهي والفكري، ونُخرّج أجيالًا قادرة على الجمع بين أصالة المرجعية الإسلامية ومتطلبات العصر، فتظل في تواصل دائم مع العقل والاجتهاد، دون أن تنفصل عن النص أو تنقطع عن مقاصده الكبرى.