هويدا المرشود
صار استعراض المعرفة عند البعض أهم من المعرفة نفسها، هكذا بدأ الخلط في صالوناتنا الثقافية اليوم، حيث تُلاحَق الثقافة كما تُلاحَق الوجاهة، ويُظن أن الهيبة تُكتسب بالمصطلحات الثقيلة، وأن الفكرة كلما ازدادت تعقيدًا ارتفعت قيمتها.
تدخل بعض المحافل، فتجد الأسماء تتقدم على الأفكار، والمراجع تتزاحم قبل الرأي، وكأن المطلوب إبهار الحضور لا محاورتهم.
تُستدعى نظريات بعيدة عن بيئتنا وتُسقط على واقع مختلف، لا لأنها تفسره، وإنما لأنها تمنح قائلها هالة من التفوق الفكري.
هذا التكلف أعدم هيبة الكلمة.
الجاحظ وهو من أكثر الناس خبرة بالكلمة وذرابة التعبير، لم يرَ التفاضل في غرابة اللفظ، وإنما في جودة البيان وإصابة المعنى، لذلك قال عبارته الخالدة: «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ. وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك،..» وكأنه يضع معيارا لا يشيخ
الفكرة أولًا، ثم تأتي اللغة في خدمتها لتُقدّي الناس وتصلح وعيهم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المثقف إلى حارسٍ لصورته.
يخشى أن يبدو بسيطًا، فيثقل عبارته.
يخاف أن يقال عنه عادي، فيغرق حديثه بالأسماء والمصطلحات. والذي يتنازل عن عاطفته الإنسانية وناسه لأجل وجاهة زائفة، كمن يبيع بيته الأصيل ليعيش في كرتون أنيق.
ومع الوقت، تصبح الثقافة ثوبًا يُرتدى في المناسبات، لا أثرًا ينعكس في السلوك.
كم من إنسان يملك علمًا واسعًا وتجالسه ساعات برزانة وراحة فلا تشعر أنه يحاول أن ينتصر عليك. وكم من آخر يحفظ عشرات الكتب ثم يجعل كل مجلس امتحانًا لمن حوله.
الفرق بينهما ماتصنعه المعرفة تصنعه النفس.
ثقافتنا لم تُبنَ على التعقيد. المجالس التي خرج منها العلماء والأدباء كانت تعرف أن الكلمة كلما اقتربت من طين الأرض وناسها ازداد أثرها.
الفكرة القوية ماتحتاج إلى ضباب يحجبها، ولا إلى قاموس يشرحها لأنها تملك من الصدق ما يكفي لتصل وحدها.
ولهذا أخشى على الثقافة من المتفاخرين بها أكثر من أخشى عليها من الجهل. فالجاهل قد يتعلم، أما المتعالي فيظن أنه وصل، ومن يظن أنه وصل يغلق الباب في وجه كل معرفة جديدة.
المثقف الحقيقي ما يرفع المسافة بينه وبين الناس، وإنما يختصرها. يكتب ليوقظ سؤال لا ليعلن انتصار. يخرج القارئ من عنده وهو أكثر فضولا، لا أكثر شعور بالنقص.
الوجاهة تكسب صاحبها تصفيقًا عابرًا أما الفكرة الصادقة فتكسبه مكانًا في الذاكرة.
وما يبقى من الكاتب بعد غياب اسمه، عدد العقول التي أنارها، لا عدد المصطلحات التي ازدحم بها مقاله.
الثقافة ما ترفع صاحبها فوق الناس.. ترفعه بينهم.