د. عبدالمحسن الرحيمي
بعد أن تناولنا في مقالات سابقة تحول الجامعة إلى أصل وطني، ثم أهمية انتقالها من إنتاج المعرفة إلى صناعة الأثر، يبرز اليوم تحول جديد يرتبط بطريقة عمل الجامعة نفسها في عصر الذكاء الاصطناعي. فلم يعد السؤال مرتبطًا بما تنتجه الجامعة فقط، بل بكيفية إعادة تصميم أدوارها، وتوظيف المعرفة والبيانات والتقنيات الحديثة لتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات القادمة.
أصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا مؤثرًا في طريقة عمل الجامعات؛ فهو يعيد تشكيل أساليب التفكير، وآليات اتخاذ القرار، وطرق توظيف المعرفة. ولم يعد تأثيره محصورًا في الجانب التقني، بل امتد إلى التعليم، والبحث العلمي، والإدارة، وتطوير النماذج المؤسسية.
وقد مرت الجامعة عبر تاريخها بتحولات كبرى استجابة لتغيرات العالم. فقد رسخ نموذج الجامعة البحثية إنتاج المعرفة العلمية باعتباره جزءًا أساسيًا من رسالتها، ثم توسع دور الجامعة مع ظهور النموذج الريادي الذي ربطها بالابتكار والشراكات وتحويل المعرفة إلى تطبيقات اقتصادية واجتماعية. أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة جديدة تعيد تعريف طريقة إدارة المعرفة، والاستفادة من البيانات، وتطوير القرارات داخل الجامعة.
في مجال التعليم، يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة دور الجامعة من مؤسسة تركز على نقل المعرفة إلى مؤسسة تهتم ببناء القدرات. فالطالب في المستقبل لن يعتمد على حفظ المعلومات فقط، بل على قدرته على تحليلها، وتوظيفها، والتعامل مع الأدوات الذكية، وتطوير حلول للتحديات المعقدة.
كما سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دور عضو هيئة التدريس؛ فالأستاذ الجامعي سيزداد تركيزه على قيادة عملية التعلم، وتنمية التفكير النقدي، وتصميم تجارب تعليمية تعزز الإبداع والابتكار والمهارات الإنسانية التي تمثل جوهر التعليم.
وفي البحث العلمي، يفتح الذكاء الاصطناعي مجالات جديدة للاكتشاف من خلال تحليل البيانات الضخمة، واكتشاف الأنماط والعلاقات الجديدة، وتسريع مراحل البحث والتطوير، وتوجيه الجهود العلمية نحو المجالات ذات الأولوية الوطنية.
إلا أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بتوفير الأدوات التقنية فقط، وإنما بقدرة الجامعة على دمجها داخل عملياتها الأكاديمية والبحثية والإدارية. ومن هنا يبرز مفهوم الذكاء المؤسسي للجامعة؛ باعتباره الإطار الذي يساعد المؤسسة على الاستفادة من المعرفة والبيانات، وتحليل نتائجها، وتحويلها إلى قرارات وسياسات وممارسات أكثر فاعلية.
فالذكاء المؤسسي لا يرتبط بكثرة الأنظمة أو حجم البيانات، وإنما بكيفية توظيفها لفهم التحديات، وتحديد الأولويات، وتحسين الأداء. وفي هذا السياق يصبح الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للتطوير المؤسسي، وليس بديلًا عن الخبرة البشرية والتفكير العلمي.
ولا يمكن بناء هذه المنظومة دون تطوير بنية معرفية وطنية متقدمة؛ فالبيانات أصبحت أحد الأصول المهمة في الاقتصاد المعرفي، وتزداد قيمة المؤسسات بقدرتها على جمع البيانات وتنظيمها وتحليلها واستخدامها في إنتاج المعرفة وصناعة القرار.
ومن هنا تبرز أهمية بناء قواعد بيانات وطنية مترابطة، وربط مراكز البيانات في الجامعات ومراكز البحث والقطاعات المختلفة ضمن منظومة معرفية متكاملة. فهذا التكامل يتيح للباحثين والخبراء الوصول إلى معلومات أكثر شمولًا، ويساعد على تطوير النماذج البحثية، ودراسة التحديات الوطنية، والمساهمة في بناء سياسات قائمة على المعرفة.
ويمثل المركز الوطني للذكاء الاصطناعي أحد العناصر المهمة في هذه المنظومة الوطنية، من خلال دوره في تطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي في المملكة. ويمكن أن يسهم الربط بين الجامعات ومراكز البيانات الوطنية والمركز الوطني للذكاء الاصطناعي في بناء بيئة تجمع البحث العلمي بالبيانات والتطبيقات العملية، بما يدعم تطوير حلول وطنية في المجالات ذات الأولوية.
إن قيمة البيانات لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في قدرتها على إنتاج معرفة قابلة للاستخدام. فكلما ارتفعت جودة البيانات وتكاملت مصادرها، أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على فهم الواقع، واستشراف التحديات، وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر أهمية.
وفي المملكة العربية السعودية، يأتي هذا التحول ضمن مرحلة وطنية تدعم بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز الابتكار وتنمية رأس المال البشري. فقد ربطت رؤية المملكة 2030 التعليم العالي والبحث والتطوير والابتكار بمستهدفات التنمية الوطنية، وجعلت القدرات الرقمية والذكاء الاصطناعي من المجالات المهمة لصناعة التحول الاقتصادي والمعرفي.
وتمتلك الجامعات السعودية اليوم مقومات مهمة لدعم هذا التحول؛ من بنية تحتية رقمية، ومراكز بحثية، ومعامل متقدمة، وكفاءات علمية، وشراكات وطنية ودولية. لكن المرحلة القادمة تتطلب مزيدًا من التكامل بين هذه القدرات، بحيث تعمل المعرفة والبيانات والابتكار ضمن توجهات واضحة تخدم الأولويات الوطنية.
كما تحتاج الجامعات إلى تطوير نماذج تعاون جديدة مع القطاعات المختلفة، بحيث تنتقل الشراكات من تبادل الخبرات إلى مشاريع بحثية وتطبيقية تنتج حلولًا وتقنيات مرتبطة باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
إن مستقبل الجامعات لن يتحدد بامتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي فقط، بل بقدرتها على بناء بيئة مؤسسية تجعل هذه التقنيات جزءًا من طريقة التفكير والعمل واتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات واسعة، لكن قيمته تظهر عندما توظف الجامعات البيانات والمعرفة في تطوير حلول تخدم المجتمع والاقتصاد.
ومن هنا تصبح البيانات الوطنية والقدرة على إدارتها وتوظيفها أحد عناصر القوة المعرفية في العصر الجديد؛ فالمؤسسات التي تمتلك معرفة موثوقة وقابلة للاستخدام تكون أكثر قدرة على الابتكار، وفهم التحولات، واتخاذ قرارات أكثر فاعلية.
فالجامعات التي ستقود المرحلة القادمة ليست فقط التي تمتلك أحدث التقنيات أو أكبر مخزون من المعرفة، بل التي تنجح في إعادة تصميم أدوارها، وبناء نماذج مؤسسية تجعل الذكاء الاصطناعي والبيانات أدوات لإنتاج المعرفة، وتطوير الحلول، وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.