حسن بن مريّع
تخيل أن في بيتك مكتبة علمية زاخرة بأحدث أساليب الشرح، تضم نخبة من أفضل المعلمين، وتفتح أبوابها لك مجاناً في كل لحظة، لكنك لا تقترب من عتبتها إلا إذا عُلّقت الدراسة لأي ظرف! هذا هو المشهد الدقيق لحالنا مع منصة «مدرستي»؛ إذ ما نزال نختزل هذا المشروع الوطني الضخم في مجرد «خطة طوارئ» للأزمات، أو صفحة إلكترونية عابرة لتسليم واجب مدرسي لا يستغرق سوى دقائق معدودة، بينما هو في حقيقته ثورة تعليمية هادئة تسكن داخل كل بيت.
بدأت القصة حين واجه العالم جائحة كورونا، يومها استطاعت المنصة ببراعة أن تنقذ المنظومة التعليمية بأكملها، وأتاحت لملايين الطلاب والمعلمين مواصلة رحلتهم المعرفية دون انقطاع يوم واحد. غير أنه مع عودة الحياة إلى مجاريها وحضور الطلاب إلى المقاعد الدراسية، ساد انطباعٌ عام؛ بأن مهمة المنصة قد انتهت، بينما هي في الواقع قد تحوّلت إلى محرك ذكي مكمل للمدرسة، تقدّم للأسرة خدمات نوعية فائقة الجودة كان يُدفع لقاء مثلها آلاف الريالات للمدرسين الخصوصيين؛ بدءًا من الشروحات المرئية التفاعلية لكل جزء في المنهج عبر قنوات «عين»، مروراً ببنك الأسئلة والاختبارات الذاتية التي تقيس مستوى الفهم الحقيقي، وصولاً إلى مسارات التقوية التكيفية التي تعالج مكامن الضعف لدى الطالب بعيداً عن التوتر والإحراج.
ولكن هنا سؤال جوهري: لماذا لم نلمس هذا الأثر العظيم في حياتنا اليومية حتى الآن؟ والحقيقة هي أن الخلل لا يكمن في البنية التقنية للمنصة، بل في النمط الميداني التقليدي الذي نُحمّل فيه المعلم ما لا يطاق.
إن المعلم اليوم يرزح تحت جبل من الأعباء الإدارية والتدريسية والضغوط اليومية المتزايدة، وجَعْلُهُ يطارد عشرات الطلاب يومياً لإجبارهم على الدخول للمنصة يُعد عملاً شاقاً يستهلك طاقته ونشاطه التربوي.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة لإحداث تغيير جذري في فلسفة التعليم وتوزيع الأدوار؛ بحيث يُعاد للمعلم دوره السامي المتمثل في «التربية» والتوجيه، والغرس القيمي، والبناء النفسي والفكري للطالب، وتتولى المنصة التفاعلية دور «التعليم» وشرح المفاهيم وتوفير المحتوى المعرفي. وفي هذا المسار الذكي؛ يتولى ولي الأمر مسؤولية متابعة الانضباط التعليمي اليومي لابنه داخل البيت، بينما يتحول دور المعلم إلى متابعة نتائج هذا التعلم ومخرجاته الرقمية، والوقوف مع الأسرة يداً بيد لمعالجة أي تعثر تعليمي أو إشكاليات دراسية قد تنشأ في طريق الطالب.
ولكي تتجسد هذه الرؤية على أرض الواقع؛ لا بد من تحقيق شراكة متناغمة بين أربعة أطراف رئيسية:
أولاً، الوزارة: عبر إعادة هيكلة مؤشرات الأداء الرقمية، لصالح تحفيز التعلم الذاتي والابتكار، والابتعاد عن اشتراط المتابعة الشكلية التي تجهد المعلم وقد تعطله.
ثانياً، المدرسة: بتغيير لغة خطابها اليومي مع أولياء الأمور من صيغة التكليف الإجباري البحت؛ إلى صيغة الشراكة التعليمية المثمرة، مما يفسح المجال للمعلم ليركز على رسالته التربوية.
ثالثاً، المنزل: بمنح المنصة حقها عبر تخصيص ثلاثين دقيقة يومية على الأقل، تجعل من التعلم روتينياً مسلياً لا عبئاً مفاجئاً قبل الاختبارات.
رابعاً، الإعلام: بإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وكشف الستار عن الخصائص المجهولة للمنصة، وتسليط الضوء على قصص النجاح الملهمة بأسلوب مبسط وجذاب.
إن الشاشة التي يحملها أبناؤنا بين أيديهم ليست مجرد صفحة افتراضية ولا ملجأ خفياً للأزمات، بل هي بوابتهم المستقبلية نحو التميز الشامل؛ بوابة لن تفتح كامل آفاقها إلا عندما نمنح المعلم فرصة التربية، والأسرة شرف المتابعة، والمنصة دور التعليم.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل سنظل ننتظر تقلبات الأحوال كي نكتشف قيمة الكنز الذي نملكه، أم أننا سنقرر اليوم تحويل ثلاثين دقيقة يومياً من وقت أبنائنا لتصنع الفرق بين طالب يتلقى التعليم كعبءٍ إجباري، وطالب يصنع شغفه ومستقبله بنفسه؟