إذا كانت التسعينيات قد اختتمت القرن العشرين بثورة على إطار اللوحة التقليدية وانعطافة مفاهيمية صادمة، فإن عقد الألفية الجديدة (2000م-2010م) جاء ليعلن عن مرحلة «العبور الكبير» والتحليق البصري عابر الحدود. في هذا العقد المصلى لم يعد الفن التشكيلي السعودي يكتفي بالحوار الداخلي بين العاصمة والأقاليم أو بالعرض داخل الصالات والمراكز المحلية إنما اندفع بجرأة ووعي متقدم نحو منصات المتاحف الدولية والبيناليات العالمية ودور المزاد الكبرى في لندن وباريس ونيويورك ودبي.
شهدت هذه الحقبة تحولاً جذرياً في وسائل التعبير البصري حيث أفسحت اللوحة المسندية التقليدية مساحة واسعة لظهور «وسائط الميديا الجديدة» (New Media) والتصوير الفوتوغرافي المفاهيمي وفنون الفيديو والتركيب التفاعلي بالتوازي مع بزوغ فجر الفضاء الرقمي والإنترنت الذي ألغى المسافات بين الفنان السعودي والجمهور العالمي. هذا الحراك الشامل رصده النقاد والباحثون بكثير من القراءة التحليلية في كتبهم المرجعية التي وثقت تحولات الفن المحلي وانتقاله من المحلية إلى الإقليمية والدولية.
اختراق الجغرافيا: البيناليات والمحطات الدولية الفاصلة
شهد عقد الألفية الجديدة تحولاً بنيوياً في شكل ومضمون المشاركات الخارجية للفن السعودي فلم تعد المشاركات تقتصر على الأسابيع الثقافية الرسمية أو المعارض التبادلية الكلاسيكية بل أصبح الفنان السعودي حاضراً بصفة شخصية ومؤسسية احترافية في أهم البيناليات المعاصرة.
كانت المشاركات السعودية في «بينالي الشارقة الدولي» و»بينالي القاهرة الدولي» خلال السنوات الأولى من الألفية بمثابة منصات اختبار نجحت في اقتناص جوائز رسمية وإشادات نقدية عربية كبرى. وتوج هذا الحضور الإقليمي بالعبور نحو الغرب؛ حيث شهدت باريس عام «2001م» احتضان معهد العالم العربي لمعرض «فن من السعودية» والذي أتاح للنقاد الأوربيين التعرف على عمق التجربة المحلية وتنوع مدارسها.
ومع منتصف العقد، جاء التأسيس المفصلي لـ مبادرة «حافة العرب» (Edge of Arabia) عام 2003م، والتي شكلت رأس الحربة في تقديم الفن السعودي المعاصر للمؤسسات الدولية. ومن خلال هذه المبادرة انطلقت معارض كبرى هزت المحافل الفنية في لندن وبرلين وشارع المتاحف، وكان أبرزها معرض «صدمة ونمو» (SOAT - Change and Transition) في لندن عام 2008م الذي كشف للعالم عن جيل سعودي مفاهيمي يمتلك أدوات نقدية وبصرية بالغة الجرأة والنضج.
ثورة وسائط الميديا:
من الفرشاة إلى الكاميرا والأشعة
السمة البارزة التي صبغت العقد الأول من الألفية هي استيعاب جيل الشباب لـ «وسائط الميديا الحديثة». لم يعد التعبير الفني رهيناً بالفرشاة واللون الزيتي فحسب لكن دخلت الكاميرا الرقمية والأشعة الطبية وبرمجيات التجميع البصري والفيديو آرت (Video Art)، والتقنيات الضوئية كأدوات أساسية لتعرية الأفكار واستنطاق المسكوت عنه بائتلاف فكري معقد.
في هذا السياق برزت تجارب مفاهيمية فارقة حفرت أسمائها في ذاكرة الفن المعاصر؛ حيث قدم أحمد ماطر عمله الأيقوني (X-Ray Series) الذي استخدم فيه شرائح الأشعة الطبية ليناقش التداخل بين الروح والجسد والإيمان والتكنولوجيا. وعلى ذات الصعيد المفاهيمي المتفجر، قدم عبدالناصر غارم أعمالاً تجهيزية وأداءات حية (Performances) ناقشت مساحات الفراغ والنمو العمراني والتعليم ممثلاً مع زملائه ما عُرف بـ»جماعة شتات» أو الفنون المعاصرة في الجنوب.
وفي مجال الفوتوغرافيا المفاهيمية والتعبير البصري المادي، برزت تجارب فيصل سمرة الذي واصل مشروعه في «المجسمات القماشية» والتركيب الفراغي الحركي وتجربة أحمد عنقاوي الذي وظف الوحدات الهندسية والحرفية الحجازية في تركيبات معاصرة تخاطب الوعي الإنساني الشامل.
الحراك النسائي: صياغة المفاهيم والتصدّر العالمي
واصلت الريشة النسائية في الألفية الجديدة قفزاتها الاستثنائية فلم يقتصر الحضور النسائي على المشاركة الداخلية بل تصدرت المبدعات المشهد المفاهيمي والمشاركات الدولية الكبرى محطمات الصورة النمطية ومقدمات رؤى ذات كثافة فلسفية عالية.شهدت هذه الحقبة نضج تجربة شادية عالم التي دمجت بين الأسطورة الحجازية والتركيب الفراغي المعاصر ممهدة الطريق لتتويجها التاريخي لاحقاً في المحافل الأوروبية. وشاركتها هذا الأفق المفاهيمي الفنانة مها ملوح التي قدمت أعمالاً تجهيزية ضخمة اعتمدت على إطارات الكاسيت القديمة والمواد التراثية المستهلكة وأواني الطهي التقليدية لتناقش تحولات الاستهلاك والذاكرة الجمعية للمجتمع السعودي.
وفي مجال التصوير الفوتوغرافي التوثيقي والمفاهيمي، برزت الأميرة ريم الفيصل عبر معارضها الدولية التي وثقت رحلات الحج والروحانيات الحرمية بلغة أبيض وأسود صليبة وعميقة. بينما أثرت هناء حجار المشهد بأعمالها الكاريكاتيرية والتعبيرية الجريئة التي ناقشت القضايا الاجتماعية بأسلوب بصري لا يداري.
الديناميكية المؤسسية: الغاليريات وسوق الاقتناء الاحترافي
توازى هذا الانفتاح الخارجي مع نمو لافت في المبادرات الفنية المستقلة والغاليريات الخاصة في الرياض وجدة والخبر، والتي أخذت على عاتقها تنظيم المعارض الاحترافية وإبراز التجارب الحداثية. شهد هذا العقد ظهور قيمين فنيين (Curators) ومؤسسات غير ربحية ركزت على إقامة ورش العمل التخصصية وجلب خبرات نقدية دولية للحوار مع الفنانين المحليين.أدى هذا الحراك المؤسسي إلى خلق «بيئة تسويقية واقتنائية» أكثر احترافية حيث دخلت دور المزاد العالمية مثل «كريستيز» (Christie»s) و»سوذبيز» (Sotheby»s) على خط اقتناء وعرض الأعمال السعودية المعاصرة في دبي ولندن مما ساهم في استقرار الفنانين وتفرغ جزء منهم للإنتاج الفكري والفني برؤية استراتيجية طويلة الأجل.
ذاكرة وطن ومستقبل أمة
بوصولنا إلى ختام العقد الأول من الألفية (2010م)، نكون قد أتممنا الطواف عبر عقود حافلة من تاريخ الفن التشكيلي السعودي بدءاً من المحاولات الأولى والبدايات التعليمية في الخمسينيات والستينيات مروراً بمرحلة المأسسة والتأسيس في السبعينيات ثم عصر الجماعات الكبرى في الثمانينيات والانعطافة المفاهيمية في التسعينيات وصولاً إلى العولمة والعبور نحو المنصات الدولية مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
إن هذه المسيرة التاريخية تؤكد أن الفن التشكيلي السعودي لم يكن يوماً مجرد هامش جمالي، بل كان على الدوام مرآة صريحة للتحولات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها المملكة العربية السعودية. واليوم، ندرك أن تلك البذور التي غرسها جيل الرواد والمثابرين قد أينعت بستاناً إبداعياً شاهقاً، يواصل نموه وانطلاقه نحو آفاق جديدة لا تعرف الاستكانة.
** **
- عبدالله عبدالرحمن الخفاجي
X: AL_KHAFAJII