«الجزيرة» - وائل العتيبي:
قبل آلاف السنين، وقف إنسانٌ مجهول على صخرةٍ في شمال الجزيرة العربية، ونقش عليها أثره قبل أن يمضي. لم يكن يدرك أن رسالته ستبقى آلاف السنين، وأن الأرض التي حملت خطواته ستصبح يومًا واحدة من أكبر المحميات الطبيعية في الشرق الأوسط. وفي المكان نفسه، تعود اليوم قطعان المها العربي إلى موطنها بعد غيابٍ تجاوز تسعة عقود، فيما يرصد العلماء سلوكًا بيولوجيًا غير مسبوق، وتواصل الأشجار المعمرة حراسة ذاكرة المكان.
هكذا تبدو محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية؛ ليست مجرد مساحةٍ شاسعة تحمي الكائنات الفطرية، بل مشروع حضاري يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ويبرهن أن حماية البيئة تبدأ بحماية الذاكرة.
تمتد المحمية على مساحة 130,700 كيلومتر مربع، لتصبح أكبر محمية طبيعية برية في المملكة، وإحدى أكبر المحميات في الشرق الأوسط، ممتدةً عبر مناطق تبوك، والجوف، والحدود الشمالية، وحائل. وتأسست هيئة تطوير المحمية بموجب الأمر السامي رقم (47124) بتاريخ 17-9-1439هـ، لتقود مشروعًا وطنيًا يوازن بين صون التنوع الحيوي، وحماية التراث الطبيعي والثقافي، وتنمية المجتمعات المحلية، وتعزيز السياحة البيئية المستدامة.
تنطلق الهيئة من رؤية تجعل المحمية وجهةً عالمية للسياحة البيئية، تتكامل مع محيطها الطبيعي، وتحفظ الموروث البيئي والثقافي، وتسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بينما تقوم رسالتها على تحقيق التوازن بين حماية الموارد الطبيعية، وإثراء تجربة الزائر، وإشراك المجتمع المحلي بوصفه شريكًا في صناعة مستقبل المكان.
الجغرافيا.. حين تكتب الأرض سيرتها
في محمية الملك سلمان، لا تبدو الجغرافيا مجرد تضاريس متجاورة، بل طبقاتٍ من الزمن. فمن جبال الطبيق إلى سهول الخنفة، ومن أودية حرة الحرة إلى الصحارى المفتوحة، تتشكل لوحة طبيعية نادرة تجمع الجبال والهضاب والسهول والأودية في منظومة بيئية متكاملة، جعلت من المحمية أحد أكثر المواقع ثراءً بالتنوع الحيوي في الجزيرة العربية.
تحتضن المحمية مئات الأنواع من النباتات والكائنات الفطرية، من بينها المها العربي، وغزال الريم، وغزال الإدمي، والذئب العربي، والثعلب الرملي، فضلًا عن الطيور المقيمة والمهاجرة، في مشهد يعكس قدرة الطبيعة على استعادة توازنها حين تجد من يحميها.
ولا تقتصر جهود الهيئة على حماية هذه الأنواع، بل تمتد إلى إعادة توطين الكائنات المهددة بالانقراض، واستعادة النظم البيئية، ومكافحة آثار الصيد والرعي الجائر، لتتحول المحمية إلى نموذج وطني في استعادة الحياة البرية.
المها العربي.. عودة رمز إلى موطنه
لعل أكثر قصص المحمية تأثيرًا تتمثل في عودة المها العربي إلى شمال المملكة بعد انقطاعٍ دام أكثر من تسعين عامًا.
فقد نجحت برامج إعادة التوطين في إطلاق هذا الكائن الأصيل داخل بيئته الطبيعية في الطبيق، وحرة الحرة، والخنفة، مع تسجيل ولادات متتابعة، في مؤشر واضح على نجاح المشروع البيئي الذي أعاد للمكان أحد أبرز رموزه.
ولا تمثل عودة المها العربي نجاحًا في حماية نوعٍ مهدد بالانقراض فحسب، بل تعكس استعادة جزء من الذاكرة البيئية للجزيرة العربية، بعد عقودٍ من التراجع الذي فرضته الضغوط البيئية والصيد الجائر وفقدان الغطاء النباتي.
حين تصبح الصحراء مختبرًا للعلم
لم تعد المحمية مكانًا تُحفظ فيه الكائنات الفطرية فقط، بل أصبحت مختبرًا طبيعيًا تنتج فيه المعرفة.
وقد لفتت أنظار المجتمع العلمي مؤخرًا بعد توثيق ظاهرة «الافتراس الذاتي العكسي» لدى العلجوم العربي، في اكتشافٍ غير مسبوق نُشر في مجلة Herpetology Notes، بعدما رصد الباحثون شراغيف صغيرة تهاجم فردًا أكبر منها وأكثر تقدمًا في مراحل النمو، في سلوك يخالف الأنماط البيولوجية المعروفة.
ولا تقتصر أهمية هذا التوثيق على تسجيل ظاهرة نادرة، بل تكمن في كونه يفتح آفاقًا جديدة لفهم السلوك الغذائي لدى البرمائيات، ويؤكد أن المملكة لم تعد تكتفي بحماية التنوع الحيوي، بل أصبحت تسهم في إنتاج المعرفة العلمية على المستوى الدولي.
السدر.. الشاهد الصامت على تعاقب الأزمنة
وفي المحمية، لا تؤدي الأشجار دورًا بيئيًا فحسب، بل تحفظ ذاكرة المكان. ويبرز السدر البري، المنتشر في حائل والخنفة، بوصفه أحد أكثر النباتات ارتباطًا بالبيئة المحلية؛ إذ تتشابك أغصانه الشوكية، وتمتد جذوره عميقًا في الأرض، ليقاوم قسوة المناخ، ويوفر مأوى للكائنات الفطرية، تمامًا كما فعل عبر قرون طويلة.
إن العناية بهذه الأشجار ليست حمايةً للغطاء النباتي فقط، بل حفاظٌ على أحد رموز الهوية البيئية في شمال المملكة، وعلى شريكٍ صامتٍ رافق الإنسان في أسفاره واستقراره.
الصخور التي تتحدث
وإذا كانت الطبيعة تحفظ ذاكرة الحياة، فإن الصخور تحفظ ذاكرة الإنسان. فالمحمية تحتضن أكثر من 400 موقع أثري وتاريخي، موزعة على أربع مناطق إدارية، وتضم 14 تشكيلًا جغرافيًا مختلفًا، فضلًا عن آلاف النقوش الثمودية والنبطية والرسوم الصخرية التي توثق حياة الإنسان الأول، ومشاهد الصيد، والوعول، والجمال، والخيول.
تبرز منطقة جبة، المسجلة على قائمة التراث العالمي في اليونسكو، بوصفها واحدة من أهم مواقع الفن الصخري في العالم، إلى جانب موقع كلوة، وقصر الإمارة في العيساوية، فيما يعود تاريخ بعض المواقع إلى نحو ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد.
هذه النقوش ليست رسومًا حجرية جامدة، بل وثائق إنسانية تحفظ بدايات التعبير الفني، وتروي قصة المجتمعات التي عاشت على هذه الأرض، وكيف فهمت الطبيعة، وتعاملت معها، وتركت أثرها عليها.
الاستدامة.. حين تصبح الثقافة مشروعًا للمستقبل
في محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية، لا تنفصل البيئة عن الثقافة، ولا التاريخ عن التنمية، ولا البحث العلمي عن الهوية الوطنية.
فالمحمية تقدم نموذجًا سعوديًا يرى أن الاستدامة ليست حمايةً للأشجار والحيوانات فحسب، بل حمايةٌ لذاكرة المكان، وللإرث الثقافي، ولحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها الطبيعي والإنساني.
وفي انسجام مع رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، تتحول المحمية إلى مساحة يلتقي فيها الإنسان بالطبيعة، والعلم بالتاريخ، والسياحة بالثقافة، في مشروعٍ وطني يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من استثمار الأرض فقط، بل من فهمها وصونها.
ولعل القيمة الأعمق لمحمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية أنها لا تعيد تعريف معنى المحمية فحسب، بل تعيد تعريف علاقتنا بالمكان نفسه. فهي ليست حدودًا مرسومة على الخريطة، بل كتابٌ مفتوح تكتبه الطبيعة، ويقرأه التاريخ، وتواصل المملكة إضافة فصوله، وهي تؤمن أن الأرض التي تحفظ ذاكرتها، هي الأرض الأقدر على صناعة مستقبلها.