محمد بن عيسى الكنعان
سؤال افتتاحي: متى تتناول إفطارك؟ مبكرًا أم قبل الظهر بقليل أم لا تتناوله أساسًا!
لأن كثيرا ممن يدّعون علوم الصحة وخفايا الغذاء أثاروا جدلًا حول هذا الموضوع استنادًا إلى أنظمة صحية يتعاملون بها ويروجون لها؛ فقد خرج علينا من يرى تأخيره إلى ما بعد التاسعة أو العاشرة بدعوى أن الجسم بعد الاستيقاظ من النوم لا يحتاج للطاقة، وبالتالي لا يحتاج للطعام، وأن تأخير تناول الإفطار قدر الإمكان يزيد من مدة حرق الدهون ذاتيًا داخل الجسم، في مقابل من يراه مبكرًا لاكتساب الطاقة التي يحتاج طوال اليوم ومن ثم تزيد نسبة حرق الدهون إلى الضعف إذا استمر صائمًا حتى المساء. هذا الجدل المتناقض نموذج لبعض التوصيات والآراء الصحية والغذائية غير المنضبطة، أو غير المستندة إلى دراسات وبحوث علمية موثقة. تلك التوصيات والآراء يتم إطلاقها وتداولها بين الناس تحت عناوين أنظمة صحية ولافتات غذائية، تخرج بمسميات براقة ومغرية عبر منصات إعلامية همها كسب المشاهدات ورفع نسب المتابعة، حتى صارت تتصدر أخبار منصات التواصل الاجتماعي أكثر من الأخبار السياسية في منطقتنا العربية! لدرجة أن هؤلاء المدعين لتلك الأنظمة من كثرتهم ذكّرونا بأيام مفسري الأحلام وكثرتهم في القنوات الفضائية قبل سنوات، فهذا يتحدث عن نظام (الكيتو دايت) الصحي، وآخر يزعم أن ما يقوله وفقًا لنظام (الداش)، وثالث يروج لنظام باسم جذاب وهو (الطيبات)، وغيرها مثل: (الصيام المتقطع، والبحر الأبيض المتوسط، وأتكينز، والنظام النباتي).
منذ عرفنا وجبة الإفطار والعالم يتناولها بالصباح الباكر جدًا حتى أن أجدادنا كانوا يتناولون إفطارهم بعد صلاة الفجر. وفي كل فنادق العالم وجبة الإفطار متاحة من السادسة صباحًا حتى العاشرة. فما الذي تغير اليوم؟ لماذا صار تأخير الإفطار هو التوصية الصحية من مدعي الصحة والغذاء؟ والحال لا يقف عند الإفطار، فالذين يروجون للأنظمة الصحية عبر منصات التواصل وجدوا المجال متاحًا ليقولوا ما يشاؤون، ويقرروا ما يريدون! فهذا يقول أسوأ غذاء يمكن أن تأكله هو (السلطة)؛ فالخضروات صعبة الهضم ومن الطعام الرديء! وينصح بالتركيز على اللحوم والبطاطس! تخيّل! السلطة التي طالما نصحونا بأكلها على مدار عقود ماضية، بل وجعلها الغذاء الرئيس لمن أراد الصحة والرشاقة، اليوم يطالبوننا بعدم تناولها! والتركيز على اللحوم! لكن هذا ليس نهاية القصة المضحكة! فاللحوم هنا الحمراء فقط، مع الابتعاد عن أكل الدجاج! ولكي يصدق الناس دعموا وجهة نظرهم بالدين، فزعم أحدهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأكل الدجاج، وزعم آخر أن الدجاج من الدواجن التي تلقط كل شيء في الأرض وأنها ليست من الطيور المشار إليها في القرآن الكريم، قال تعالى: (ولحم طيرٍ مما يشتهون).
والإشكال أن تضارب المعلومات الصحية والغذائية بين مدعي الصحة والغذاء والطب لم تقف عند طعام معين، أو مشروبات محددة، بل تكاد تكون شاملة لكل الأطعمة والمشروبات التي اعتدنا عليها! فالقهوة لم تسلم من خزعبلاتهم، وشرب الماء لابد أن يكون ساخنًا قبل النوم، وليس فاترًا بعد الاستيقاظ من النوم، والرز الذي كانوا يحذرون منه بالأمس صار اليوم من أفضل الأطعمة، والبيض الذي اعتدنا على أكله سنوات صار مضرًا وليس نافعًا.
وقس على ذلك الخبز، فظهرت تجارة جديدة بأنواع مختلفة من الخبز لغرض الصحة وتحقيق الرشاقة. أما الزيوت فقصتها غريبة، فبالأمس نصحونا بالزيوت النباتية لأنها لا تسبب الكريستول، وحذروا من الشحوم الحيوانية والسمن البلدي على الرغم من أن أجدادنا أكلوها وعاشوا عليها، واليوم عادوا إليها وحذروا من النباتية، وغيرها ذلك من الحالات والأمثلة المتضاربة.
وليت المسألة وقفت عند هذا التضارب الذي يجعل الإنسان في حيرة، ويحاصره الوسواس عندما يُقدّمون له الطعام، إنما في أولئك الذين يخرجون بمقاطع مصورة، وهم يشرحون تجاربهم الشخصية في هذا النظام الصحي أو ذاك، وكأنهم مراجع موثقة ليصدقهم الناس، بينما المفترض أن من يفصل في هذه الأمور الصحية والغذائية والطبية هم الأطباء والعلماء المختصون استنادًا إلى الدراسات والبحوث العلمية المحكمة والموثقة. لكن الذي نشاهده في منصات التواصل أن هناك شخص توقف عن أكل الدجاج فتحسنت باطنيته، وسيدة تركت البيض فزانت بشرتها، وثالث انقطع عن الخبز فلم يصب بأي مرض خلال شهور! وهكذا دواليك من تجارب لا تعرف حقيقة أصحابها، من حيث أحوالهم الصحية الفعلية. وقد اعجبني أحد الأطباء السعوديين الذي ظهر في مقطع يُنبه لعدم الانجراف وراء التوصيات الصحية والغذائية المبنية على تجارب شخصية، مؤكدًا أن كل شخص له حالة صحية خاصة به، لها ظروفها ومسبباتها التي لا تنطبق على الآخرين، ودلّل على ذلك بمثال عمن يتوقف عن أكل لحم معين، أو بيض، أو بذور أو غيرها فتتحسن حالته؛ فيعتقد أنه من نظام صحي بدأ في تطبيقه حديثًا، وهو بالحقيقة ربما كان يعاني حساسية معينة من هذا النوع من الطعام، ولم يكتشفها ولا يدري عنها أساسًا.
وخلاصة القول: إن الانسياق وراء نظام صحي معين دون استشارة مختص سواءً كان طبيبًا متمرسًا ومتمكنًا، أو عالم تغذية يملك خبرة طويلة بهذا المجال قد يُكلفك حياتك -لا قدر الله- أو على الأقل الوقوع في إشكالات صحية.
نتمنى من وزارة الصحة أن تتدخل، وتوعي الناس في التعامل مع هذا النوع من النصائح غير المستندة على علم صحيح.