د. يحيى جابر
يُعدّ الخلط بين المقال الصحفي والقراءة المهنية والمراجعة النقدية والتعليق والعمود الصحفي من أكثر الأخطاء شيوعًا لدى الممارسين الجدد في العمل الإعلامي، رغم أن لكل قالب منها هدفًا تحريريًا، وبناءً فنيًا، ومعايير مهنية مستقلة، فالصحفي المحترف لا يبدأ الكتابة قبل أن يحدد القالب الذي يناسب فكرته؛ لأن اختيار القالب الصحيح ينعكس مباشرة على جودة الرسالة الإعلامية، ومدى إقناعها وتأثيرها في الجمهور، ولعل من بين الأكاديميين الذين تطرقوا لذلك، الدكتور محمود علم الدين، في كتابه، الفنون الصحفية، إصدار «دار السحاب للنشر والتوزيع، القاهرة، طبعة 2019».
ويؤكد أساتذة الإعلام ومنهم الدكتور سمير حسين، في كتابه «فنون التحرير الصحفي، عالم الكتب، القاهرة، 2018»، أن المقال الصحفي ليس مجرد نص طويل، وإنما فن تحليلي يفسر الوقائع ويعرض الآراء ويقارن بين البدائل ويقدم رؤية مبنية على الأدلة، بينما يقتصر الخبر الصحفي على نقل الوقائع المجردة دون إبداء الرأي أو التوسع في التحليل، كما ويشير المتخصصون إلى أن المؤسسات الإعلامية الكبرى تخصص أبوابًا مستقلة للمقالات والقراءات والمراجعات؛ لأن لكل منها جمهورًا وأهدافًا تحريرية مختلفة، وهو ما يجعل التمييز بينها ضرورة مهنية وليس مجرد تصنيف أكاديمي، الفرق الأول يتمثل في المقال الصحفي؛ فهو يقوم على فكرة أو قضية يريد الكاتب تفسيرها أو مناقشتها أو الدفاع عنها، ويستند إلى المعلومات والوقائع والدراسات والبحوث والأمثلة للوصول إلى استنتاج أو موقف واضح، ولذلك يُعد من أبرز فنون صحافة الرأي، وهذا رأي الدكتور محمود علم الدين، في كتبه، «الفنون الصحفية، 2019».
أما القراءة المهنية فهي ليست عرضًا للرأي الشخصي ابتداءً، وإنما تبدأ من مادة منشورة مسبقًا، مثل كتاب أو تقرير أو دراسة أو خطاب أو وثيقة أو فيلم، ثم يقدم الصحفي تحليلًا لمضمونها، ويبين أهم أفكارها، ونقاط القوة والضعف فيها، ومدى تأثيرها في المجتمع أو في المجال الذي تتناوله، «المصدر- معهد الجزيرة للإعلام، دليل مراجعات الكتب والمواد الإعلامية، 2023».
فعلى سبيل المثال، إذا تناول الصحفي قضية الأمن الغذائي وقدم تحليله الخاص مدعمًا بالإحصاءات والوقائع، فإن ذلك يُعد مقالًا تحليليًا، أما إذا تناول كتابًا عن الأمن الغذائي، واستعرض أفكاره، ثم ناقشها ونقدها، فإن ما كتبه يُصنف قراءة أو مراجعة نقدية، أو تحليلية، وليس مقالًا بالمعنى التحريري الدقيق، وهذا ما تحدث عنه الدكتور عبد اللطيف حمزة، بكتابه التحرير الصحفي، إصدار «مكتبة الأنجلو المصرية، طبعة حديثة».
وينقسم المقال الصحفي إلى عدة أنواع، لكل منها وظيفة مهنية محددة، ويأتي في مقدمتها المقال الافتتاحي، وهو المقال الذي يعبر عن سياسة المؤسسة الصحفية تجاه قضية عامة، ولذلك يُنشر غالبًا دون توقيع شخصي، لأنه يمثل رأي المؤسسة الإعلامية لا رأي الكاتب وحده، ويأتي بعده المقال التحليلي، الذي يركز على تفسير الأسباب والنتائج وربط الأحداث بسياقاتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويعتمد على البيانات والوثائق والشهادات والمقارنات أكثر من اعتماده على الانطباعات الشخصية.
أما المقال النقدي فيهدف إلى تقييم ظاهرة أو سياسة أو عمل إعلامي أو منتج ثقافي وفق معايير واضحة، ولا يقوم على التجريح أو المدح المجرد، بل على التحليل والاستدلال وإبراز مواطن القوة والقصور، ممارساً النقد المهني، «المصدرـ الدكتور محمد منير حجاب، المداخل الأساسية في التحرير الصحفي، دار الفجر للنشر، القاهرة».
ويُعد العمود الصحفي من أكثر الأشكال الصحفية انتشارًا، ويتميز بقصره وثبات كاتبه ودورية نشره، ويركز غالبًا على فكرة واحدة تُعرض بلغة مكثفة وأسلوب شخصي، مع المحافظة على الالتزام بالحقائق وعدم مخالفة أخلاقيات المهنة، وتختلف القراءة المهنية عن المراجعة النقدية رغم التشابه بينهما؛ فالقراءة تهدف في المقام الأول إلى تعريف القارئ بمضمون العمل، وإبراز أفكاره الرئيسة، ووضعه في سياقه العلمي أو الثقافي أو الإعلامي، بينما تتجاوز المراجعة ذلك إلى إصدار حكم مهني يستند إلى معايير محددة، مثل سلامة المنهج، ودقة المعلومات، وحداثة المصادر، وقوة المعالجة، وإسهام العمل في مجاله، ولهذا فإن كل مراجعة تتضمن قراءة، لكن ليست كل قراءة مراجعة نقدية، ويختلف التعليق الصحفي عن المقال التحليلي في أن التعليق يُكتب عادةً عقب حدث أو قرار أو تصريح حديث، ويهدف إلى تفسير دلالاته وآثاره بصورة سريعة ومركزة، بينما يمنح المقال التحليلي مساحة أوسع لعرض الخلفيات، وربط الأسباب بالنتائج، والاستناد إلى الدراسات والبيانات والمقارنات التاريخية، أما الدراسة الصحفية فهي عمل بحثي أعمق من المقال، إذ تعتمد على منهج علمي واضح، وتوثيق للمراجع، وتحليل للبيانات، وقد تتضمن استبيانات أو مقابلات أو نتائج دراسات سابقة، لذلك تُنشر غالبًا في الدوريات الأكاديمية أو الملاحق المتخصصة أكثر من الصحف اليومية، ومن الأخطاء الشائعة أن يكتب الصحفي عرضًا لكتاب أو تقرير ثم يصفه بأنه «مقال»، بينما التصنيف المهني الصحيح هو «قراءة» أو «مراجعة»؛ لأن نقطة الانطلاق ليست فكرة الكاتب، بل مادة منشورة مسبقًا يقوم بتحليلها وتقويمها، كما أن كتابة رأي سريع في حدث آني لا تُعد مقالًا تحليليًا متكاملًا إذا خلت من الأدلة والخلفيات، وإنما تُصنف تعليقًا صحفيًا، وتقوم المقالات الاحترافية على مجموعة من المعايير المهنية، أهمها وضوح الفكرة الرئيسة، ودقة المعلومات، والاعتماد على مصادر موثوقة، والتوازن في عرض الآراء، والتسلسل المنطقي للأفكار، وسلامة اللغة، وتجنب التحيز غير المبرر، وربط النتائج بالأدلة، مع الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق الملكية الفكرية، ومن الناحية التطبيقية، إذا أراد صحفي تناول كتاب معين وبدأ بعرض فكرة الكتاب، ثم ناقش أطروحاته، وقارنها بالدراسات الحديثة، وبيّن مواطن القوة والقصور فيه، فإن ما كتبه يُعد قراءة نقدية، أما إذا انطلق من ظاهرة الإدان الرقمي في المجتمع، واستشهد بالكتاب ضمن مجموعة من المراجع للوصول إلى رؤية خاصة به، فإن الناتج يُعد مقالًا تحليليًا، إن الصحفي المحترف لا يُقاس فقط بجودة أسلوبه، وإنما بقدرته على اختيار القالب التحريري المناسب قبل الشروع في الكتابة؛ فاختيار المقال بدل القراءة، أو المراجعة بدل التعليق، أو التحقيق بدل المقال، يحدد طبيعة الرسالة الإعلامية، والفئة المستهدفة، ومستوى التأثير الذي ستحققه، ولهذا تُدرّس الفنون الصحفية في كليات الإعلام بوصفها أدوات مهنية تساعد الكاتب على توظيف كل قالب في موضعه الصحيح، بما يحقق الدقة، والوضوح، والمصداقية، ويعزز ثقة الجمهور بالمحتوى المنشور، «المصدرـ كلية الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، مقرر الفنون الصحفية، والدكتور محمود علم الدين، الفنون الصحفية، 2019».
وتتنوع المقالات الصحفية تبعًا لوظيفتها التحريرية والهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، إلا أنها تشترك جميعًا في اعتمادها على المعلومات الدقيقة، وسلامة التحليل، والالتزام بأخلاقيات المهنة، وقد صنف الباحثون في الإعلام المقالات الصحفية وفق وظيفتها إلى عدة أنواع رئيسة، لكل منها خصائصه الفنية وأسلوبه التحريري ومجال استخدامه، فيأتي المقال الافتتاحي في مقدمة هذه الأنواع، وهو المقال الذي يعبر عن الرأي الرسمي للمؤسسة الصحفية تجاه قضية أو حدث أو سياسة عامة كما قلنا سابقاً، ولذلك يُنشر غالبًا دون توقيع شخصي لأنه يمثل موقف الصحيفة بأكملها، ويتميز بالرصانة والموضوعية والاستناد إلى الحقائق والمصلحة العامة، أما المقال التحليلي الذي ايضاً ذكرناه بداية المقال، فيهدف إلى تفسير الأحداث والظواهر، والكشف عن أسبابها ونتائجها، وربطها بخلفياتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويعتمد بصورة كبيرة على البيانات والإحصاءات والدراسات والمقارنات، لذلك يُعد من أكثر الأشكال الصحفية تأثيرًا في تكوين الوعي العام وصناعة الفهم العميق للقضايا، ويُستخدم المقال التفسيري لشرح القضايا والمفاهيم والقرارات التي قد تبدو معقدة للقارئ، إذ يركز على تبسيط المعلومات وتقديم الخلفيات الضرورية لفهم الموضوع دون الدخول في الجدل أو تبني موقف مؤيد أو معارض، ويستند المقال النقدي إلى تقويم عمل أو سياسة أو ظاهرة أو منتج إعلامي أو ثقافي وفق معايير مهنية واضحة، مع بيان مواطن القوة والضعف بصورة موضوعية، ويختلف عن الهجوم الشخصي أو الانطباعات العامة لأنه يعتمد على الأدلة والتحليل العلمي، أما المقال الإقناعي فيسعى إلى التأثير في اتجاهات الجمهور وتكوين قناعة تجاه قضية معينة، ويستخدم الحجج المنطقية، والشواهد، والإحصاءات، وآراء الخبراء، والاستمالات العقلية والعاطفية بما ينسجم مع أخلاقيات الممارسة الصحفية، ويُعد مقال الرأي من أكثر المقالات ارتباطًا بشخصية الكاتب، إذ يعرض وجهة نظره تجاه قضية أو حدث مع الاستناد إلى الحقائق والأدلة، ويُوقع باسم الكاتب، ويتحمل مسؤوليته الفكرية والمهنية، ومن الأنواع الشائعة أيضًا العمود الصحفي، وهو مقال قصير ثابت يكتبه كاتب محدد بصورة دورية، ويتميز بالإيجاز والتركيز على فكرة واحدة، وبأسلوب يعكس شخصية الكاتب وخبرته، مع الالتزام بالدقة والمصداقية، كما تُصنف المقالات وفق مجالها التخصصي إلى مقالات سياسية، واقتصاية، واجتماعية، وثقافية، وعلمية، ورياضية، ويختلف مضمون كل منها بحسب طبيعة الجمهور والموضوع، بينما تبقى القواعد المهنية للتحرير الصحفي واحدة في جميع التخصصات، كأنواع القراءات المهنية في الصحافة والإعلام، كما أن هناك المقال الساخر وآخر جاد، وتقتصر الكتابة الصحفية على إنتاج المقالات، بل تشمل أيضًا مجموعة من القراءات المهنية التي تهدف إلى تحليل وتفسير وتقويم المحتوى المنشور أو الظواهر الإعلامية، وتُعد هذه القراءات من الأدوات المهمة في الصحافة المتخصصة؛ لأنها تساعد القارئ على فهم الأعمال الفكرية والإعلامية والعلمية من منظور مهني، وليس مجرد تلخيصها، ومن المداخل الأساسية في التحرير الصحفي تأتي القراءة التحليلية في مقدمة هذه الأنواع، إذ تعتمد على تفكيك النص أو الحدث أو التقرير إلى عناصره الأساسية، وتحليل الأفكار والعلاقات والنتائج، مع بيان أسبابها وآثارها وربطها بالسياق العام، ويُستخدم هذا النوع كثيرًا في تحليل التقارير الحكومية، والدراسات، والخطط الإستراتيجية، والكتب الفكرية، «المصدرـ الدكتور محمد عبد الحميد، البحث العلمي في الدراسات الإعلامية، عالم الكتب، القاهرة، والدكتور محمود علم الدين، الفنون الصحفية، 2019».
أما القراءة النقدية فتركز على تقويم المحتوى وفق معايير علمية ومهنية، مثل دقة المعلومات، وقوة الأدلة، ومنهجية العرض، وحداثة المراجع، ومدى تحقيق العمل لأهدافه، ولذلك فهي لا تكتفي بعرض الأفكار، بل تقدم حكمًا مهنيًا مدعومًا بالأدلة، وتُعد القراءة الوصفية أبسط أنواع القراءات؛ إذ تهدف إلى تعريف القارئ بمحتوى الكتاب أو التقرير أو الوثيقة، واستعراض محاورها الرئيسة دون الدخول في تحليل معمق أو إصدار أحكام نقدية، ولذلك تُستخدم كثيرًا في الصفحات الثقافية وعروض الإصدارات الجديدة، أما القراءة المقارنة فتعتمد على مقارنة عملين أو أكثر في الموضوع نفسه، من خلال إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف، وتحليل المناهج، والنتائج، وأساليب المعالجة، بما يساعد القارئ على تكوين رؤية شاملة تجاه القضية محل الدراسة، ومن القراءات المتخصصة أيضًا القراءة الاستشرافية، التي لا تكتفي بتحليل الواقع، وإنما تحاول استشراف الاتجاهات المستقبلية والنتائج المتوقعة استنادًا إلى المؤشرات والبيانات والدراسات السابقة، ويكثر استخدامها في القضايا الاقتصادية، والإعلامية، والتقنية، والسياسات العامة،
وفي المقابل، تُعد مراجعة الكتب قالبًا صحفيًا مستقلًا، يهدف إلى تعريف القارئ بالكتاب، وعرض أهم أفكاره، وتحليل منهجه، وتقويم قيمته العلمية أو الثقافية، مع بيان الفئة المستفيدة منه، دون الاكتفاء بسرد محتوياته، ويرى خبراء الإعلام أن اختيار نوع القراءة يعتمد على هدف الكاتب والجمهور المستهدف؛ فليس من المهنية استخدام قراءة وصفية عندما يتطلب الموضوع تحليلًا عميقًا، كما لا يجوز إصدار أحكام نقدية دون الاستناد إلى معايير واضحة وأدلة موثقة، لأن ذلك يضعف مصداقية المادة الصحفية ويؤثر في ثقة الجمهور بها.
أخيراً: المقال متسع وله أساليبه وفنونه، وطرقه وتخصصه، كذلك القراءة النقدية أو التحليلة بنفس الطريقة والأسلوب تختلف من ناحية الشكل وتتفق من ناحية التخصصية والرصد والمعلومات الدقيقة، ولكل صحيفة مزاجها ومهارتها في عرض موادها بالطريقة المناسبة لسياستها، وموظف الدسك في الصحيفة لابد أن يكون محترفاً إلى حد أن يتقن هذه المهارات ويوظفها في النشر حب القالب والتخصص والشكل.