د. غالب محمد طه
قد يبدو غريبًا أن نسأل اليوم: هل سيبقى هناك إعلام؟ فنحن نعيش زمنًا لم يكن إنتاج المحتوى فيه أسهل ولا أغزر مما هو عليه الآن. الأخبار تتدفق بلا انقطاع، والمنصات لا تهدأ، والهواتف المحمولة تحولت إلى غرف أخبار متنقلة. ومع ذلك، ربما يكون هذا السؤال أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى.
بعد نشر أحد مقالاتي، وصلتني رسالة من الدكتور مأمون عبدالمنعم الأمين، الأكاديمي المتخصص في الإدارة. لم يناقش ما كتبت، ولم يختلف مع نتائجه، بل اكتفى بسؤال واحد:
هل سيبقى هناك إعلام؟
في البداية ظننته سؤالًا عن مستقبل المؤسسات الإعلامية. لكن بعد أيام من التفكير أدركت أنه كان سؤالًا عن شيء أعمق بكثير: هل ما زلنا نعني بكلمة «الإعلام» الشيء نفسه الذي عنيناه طوال العقود الماضية؟
ثم أتبع سؤاله بعبارة أخرى لا تقل إثارة للتأمل:
هل تعلم أن جميع المؤسسات الإعلامية ركبت قطار الوداع؟
عندها أدركت أن القضية ليست في اختفاء الإعلام، بوصفه حاجة إنسانية إلى تبادل الأخبار والمعرفة، بل في أن الصورة التي ورثناها عنه ربما لم تعد هي الصورة التي نعيشها اليوم.
لقد تربينا على مسلمة بدت لوقت طويل بديهية: الإعلام مؤسسة، والمؤسسة هي الوسيط الرئيس بين المجتمع والعالم. ومن هذه المسلمة بُنيت نظريات كاملة، وصيغت مناهج، وأُنشئت كليات، وتخرجت أجيال من الإعلاميين.
لكن الواقع لم يعد يشبه تلك الصورة.
خلال العقدين الماضيين، أصبح المحتوى يُنتج خارج المؤسسات، ويُوزع خارج قنواتها، ويُستهلك بعيدًا عن غرف الأخبار. وأصبح الفرد، في كثير من الأحيان، قادرًا على صناعة حدث إعلامي قبل أن تدرك المؤسسة أن هناك حدثًا يستحق التغطية.
وليست هذه أول مرة يهتز فيها تعريف الإعلام. فعندما ظهرت الإذاعة، قيل إن الصحافة ستنتهي. ثم قيل إن التلفزيون سيقضي على الإذاعة. وبعدها قيل إن الإنترنت سيقضي على الجميع. ولم يحدث شيء من ذلك.
ما كان يتغير في كل مرة لم يكن الإعلام نفسه، بل الجهة التي تمتلك سلطة تعريفه.
في عصر الصحافة كانت هذه السلطة بيد الناشر والمحرر. وفي عصر البث أصبحت بيد المؤسسات الكبرى. ثم انتقلت، مع الإنترنت، إلى المنصات والخوارزميات والمستخدمين. واليوم لم تعد سلطة التعريف مستقرة عند أحد، بل تتوزع بين أطراف متعددة، يتداخل فيها الفرد، والمؤسسة، والمنصة، والآلة.
من هنا يصبح سؤال الدكتور مأمون أكثر وضوحًا.
إذا كانت المؤسسات الإعلامية قد ركبت قطار الوداع، فربما لأن العالم لم يعد يدور بالطريقة التي أُنشئت من أجلها تلك المؤسسات. وهذا لا يعني اختفاء المؤسسة، بل انتهاء احتكارها لدور لم يعد حكرًا عليها.
لم تعد المؤسسة المصدر الوحيد، ولا بوابة العبور الوحيدة، ولا المرجع الوحيد. أصبحت طرفًا داخل شبكة واسعة من الفاعلين، تتنافس جميعها على الانتباه والثقة والتأثير.
وفي العالم العربي يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح. فكثير من القصص تبدأ اليوم من هاتف شخص عادي، أو من مقطع قصير، ثم تجد المؤسسات نفسها مضطرة إلى اللحاق بما بدأ خارجها. لم تعد المؤسسة تبدأ القصة دائمًا، بل كثيرًا ما تدخل إليها بعد أن تكون قد بدأت بالفعل.
لكن أخطر ما في هذا التحول ليس تغير المؤسسات، بل تأخر اللغة عن اللحاق به.
ما زلنا نصف واقعًا جديدًا بمفردات صيغت لواقع قديم. وما زلنا نتعامل مع كلمات مثل الجمهور، والرسالة، والتأثير، وحارس البوابة وكأنها تصف العالم الذي نعيشه، بينما العالم نفسه أعاد تشكيل معانيها.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل سيبقى هناك إعلام؟
السؤال هو: هل ما زالت كلمة «إعلام» تشير إلى الظاهرة نفسها التي تشير إليها كتب الإعلام؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن القضية لم تعد قضية تحديث بعض النظريات، بل مراجعة اللغة التي نفكر بها قبل أن نراجع الأدوات التي نستخدمها.
فالأزمات العلمية لا تبدأ دائمًا عندما تعجز النظريات عن تفسير الواقع، بل تبدأ عندما تستمر الكلمات في الإشارة إلى عالم لم يعد موجودًا.
وربما لا تبدأ التحولات الكبرى عندما يتغير الواقع، بل عندما نعجز عن الاعتراف بأن اللغة التي نصفه بها لم تعد تكفي لفهمه.
عندها أدركت أن سؤال الدكتور مأمون عبدالمنعم الأمين لم يكن: هل سيبقى هناك إعلام؟ بل كان سؤالًا آخر أكثر عمقًا:
هل ما زلنا نعني بالإعلام ما كنا نعنيه؟
فهل ما زلنا ندرس الإعلام كما هو.. أم كما كان؟