سعدون مطلق السوارج
لم يعد الصيف في المملكة العربية السعودية فصلًا تنتظر فيه المدن انحسار الحرارة، ولا موسمًا عابرًا تتبدل فيه وجهات السفر؛ فصيف السعودية 2026 يأتي بصورة مختلفة، كأنه صفحة جديدة في قصة وطن يعيد اكتشاف جغرافيته، ويحوّل تنوعها الطبيعي والثقافي والتاريخي إلى قوة اقتصادية وحضور دولي.
تحت شعار «صيفنا على كيفنا»، تمتد التجربة السعودية هذا العام عبر ست وجهات رئيسية: عسير، والبحر الأحمر، وجدة، والرياض، والطائف، والباحة، في مشهد يجمع الطبيعة والثقافة والترفيه والمغامرة والضيافة. ولم تعد هذه الوجهات مجرد مواقع متفرقة على الخريطة؛ فقد أطلقت الهيئة السعودية للسياحة منصة رقمية موحدة للعروض الصيفية بالتعاون مع أكثر من 50 شريكًا من القطاع الخاص، لتربط الإقامة والطيران والفعاليات والأنشطة في تجربة واحدة تبدأ من التخطيط والحجز ولا تنتهي إلا بانتهاء الرحلة.
لكن قراءة هذا الصيف باعتباره مجرد برنامج سياحي ستكون قراءة ناقصة. فما يحدث في السعودية أعمق من موسم، وأكبر من فعالية، وأبعد من إجازة. إنه تحول في مفهوم القوة الوطنية نفسها؛ فالدولة التي تستطيع أن تجعل من جبالها وجهة، ومن بحرها اقتصادًا، ومن تراثها تجربة، ومن زراعتها منتجًا سياحيًا، ومن مدنها منصات عالمية، إنما تبني نوعًا من القوة لا يظهر في مؤشرات الناتج وحدها، بل في قدرتها على صناعة القيمة من كل ما تملك.
وهذه واحدة من أكثر زوايا التحول السعودي إثارة. ففي يونيو 2026، أعلنت وزارة السياحة نتائج التقرير الإحصائي لعام 2025، لتكشف عن 123 مليون سائح محلي ووافد، وإنفاق سياحي قياسي بلغ نحو 304 مليارات ريال، بزيادة 6 % في عدد السياح و7 % في الإنفاق مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح الوافدين 29.3 مليونًا بإنفاق 176.6 مليار ريال، مقابل 93.3 مليون سائح محلي أنفقوا 127.1 مليار ريال. كما اقتربت الوظائف في الصناعات السياحية من 1.03 مليون وظيفة.
هذه ليست أرقام قطاع ترفيهي ينمو على هامش الاقتصاد. إنها أرقام صناعةٍ بدأت تفرض نفسها في صميم الاقتصاد السعودي. والأهم أن السياحة أسهمت مباشرة بنسبة 4.9 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، فيما بلغ فائض بند السفر في ميزان المدفوعات 49.4 مليار ريال خلال 2025، وأسهم بأكثر من 61 % من إجمالي صادرات حساب الخدمات.
هنا تتضح فلسفة رؤية المملكة 2030: ليست المسألة استبدال النفط بالسياحة، بل بناء اقتصاد يستطيع أن يستثمر كل عناصر القوة السعودية في آن واحد. السياحة في السعودية لم تعد قطاعًا يستهلك التنمية؛ بل أصبحت قطاعًا يصنع التنمية.
من الجغرافيا إلى القوة
لطالما كانت الجغرافيا السعودية استثنائية؛ لكن الاستثنائي في المرحلة الراهنة أن المملكة لم تعد تنظر إلى هذه الجغرافيا باعتبارها حدودًا ومسافات، وإنما باعتبارها أصولًا اقتصادية وثقافية وسياحية.
في عسير.. يبدأ الصيف من الجبل
أطلق موسم صيف عسير 2026 تحت شعار «السما أرضك»، مستهدفًا أكثر من ثلاثة ملايين زائر، مع أكثر من 100 تجربة قابلة للحجز، وفعاليات وتجارب ثقافية وفنية وترفيهية ورياضية وعائلية تتوزع على محافظات المنطقة. كما أطلقت هيئة تطوير عسير خريطة تفاعلية رقمية تتيح للزائر اكتشاف الوجهات والفعاليات والمسارات والتجارب في مختلف أنحاء المنطقة.
واللافت هنا ليس عدد الفعاليات وحده، وإنما ما وراءه: تحويل المناخ والجبال والضباب والغابات والقرى والذاكرة المحلية إلى منظومة اقتصادية قابلة للزيارة والاستثمار وإعادة الاكتشاف. فالجبل الذي كان جزءًا من طبيعة المكان أصبح جزءًا من اقتصاد المكان.
وهذه هي القاعدة التي تتكرر في التجربة السعودية: لا تُستورد الجاذبية من الخارج؛ بل تُكتشف داخل الوطن.
وفي الباحة، يلتقي الخضار الجبلي بالأجواء المعتدلة والتجارب الطبيعية والمغامرات، بينما تمنح الطائف الصيف السعودي عنوانًا تاريخيًا لا يحتاج إلى كثير من التعريف.
فالطائف ليست «مصيفًا» فقط؛ إنها مدينة تحمل طبقات متراكمة من التاريخ والثقافة والزراعة والجبل. وفيها يلتقي إرث الورد والفاكهة بالحدائق والمنتزهات والتجارب السياحية، فتتحول المزرعة من مساحة إنتاج إلى مساحة اكتشاف، ويتحول المنتج المحلي إلى جزء من قصة الزائر.
وهنا تظهر بصمة التاريخ في المشروع الحديث. فالزراعة ليست مجرد إنتاج، والورد ليس مجرد منتج، والجبل ليس مجرد منظر.
كل ذلك ذاكرةٌ يمكن أن تتحول إلى تجربة، والتجربة يمكن أن تتحول إلى اقتصاد.
وهذه تحديدًا هي الزاوية التي تستحق أن يتوقف عندها الباحث والمؤرخ: فالمملكة لا تقطع صلتها بماضيها وهي تدخل اقتصاد المستقبل، بل تفعل العكس تمامًا؛ إنها تعيد تقديم الماضي بلغة العصر.
البحر الذي أصبح نافذة إلى العالم
وعلى الساحل، تتغير الصورة. البحر الأحمر ليس مجرد شريط مائي على خارطة المملكة؛ إنه أحد أعظم الأصول الطبيعية التي تدخل اليوم في صناعة مستقبلها السياحي.
ويمتلك الساحل السعودي مقومات طبيعية استثنائية، من الشواطئ والجزر إلى النظم المرجانية والتنوع البحري، فيما تتجه المملكة إلى تطوير السياحة الساحلية ضمن معايير الاستدامة وحماية البيئة ورفع جودة التجربة. هذه ليست سياحة تقوم على استهلاك الطبيعة، وإنما على تحويل الحفاظ عليها إلى جزء من قيمتها الاقتصادية. السياحة الحديثة لا تستهلك الطبيعة؛ إنها تجعل المحافظة عليها جزءًا من قيمتها.
في جدة.. يتخذ البحر صورة المدينة
جدة صيف 2026 تقدم الشاطئ والواجهة البحرية والترفيه والتسوق والثقافة في تجربة واحدة، بينما تظل جدة التاريخية شاهدة على طبقة أخرى من شخصية المدينة؛ مدينة عرفت منذ قرون بوصفها بوابة بحرية وتجارية وحاضنة لحركة الحجاج والتجارة والاتصال بالعالم.
وهنا تبرز جدة بوصفها حلقة تاريخية بين السعودية والبحر الأحمر؛ مدينة ارتبط اسمها بالتجارة والحجاج والبحر والانفتاح على العالم، ثم تعود اليوم لتستثمر هذه الجغرافيا في سياحة حديثة.
ما كان طريقًا للتجارة في الأمس، يمكن أن يصبح اليوم طريقًا للسياحة، وفي الحالتين تبقى جدة مدينة تعرف كيف تصنع من موقعها قوة.
أما البحر الأحمر فيقدم للمملكة فرصة تتجاوز مفهوم «المنتجع». فالساحل والجزر والبيئة البحرية والاستدامة والضيافة الفاخرة تتداخل في مشروع طويل الأمد يعيد تعريف علاقة السعودية ببحرها. وهنا يصبح البحر جزءًا من الاقتصاد، والاقتصاد جزءًا من الصورة الدولية للمملكة.
الرياض.. حين تصبح العاصمة وجهة
ثم تأتي الرياض لتقدم الوجه الآخر للمشهد. عاصمة الدولة ومركز القرار والاقتصاد، لكنها لم تعد تريد أن تُرى من خلال هذه الوظائف فقط. إنها تتحول إلى مدينة عالمية تتداخل فيها الأعمال والفن والثقافة والترفيه والضيافة والرياضة والتجارب الحضرية.
وفي صيف 2026، لا تتوقف التجربة عند الأماكن المفتوحة والفعاليات العائلية؛ فقد احتضنت العاصمة «معرض الصيف للفنون» الذي يقدم أكثر من 45 عملًا فنيًا بمشاركة أكثر من 30 فنانًا وفنانة من السعوديين والمقيمين، بما يعكس اتساع المشهد الفني المعاصر في المملكة. كما يبرز وادي نمار بما يضمه من بحيرة وشلال ومساحات خضراء وممرات للمشي ومناطق للجلوس، بوصفه نموذجًا لكيفية دمج الطبيعة داخل المدينة الحديثة.
هذه النقلة مهمة؛ لأن المدن الكبرى لا تصبح عالمية بكبر حجمها، وإنما بقدرتها على تقديم أسباب متعددة تجعل الناس يريدون الوصول إليها. ومن هنا فإن السياحة في الرياض ليست إضافة تجميلية إلى العاصمة؛ إنها جزء من إعادة صياغة صورتها الدولية.
حتى النخلة أصبحت جزءًا من صناعة السياحة
ربما أجمل ما في صيف السعودية أنه لا يحصر مفهوم السياحة في المدن الكبرى أو المنتجعات الفاخرة.
في القصيم، تبدأ الحكاية من النخلة.. فالتمور في بريدة وعنيزة ليست مجرد موسم زراعي؛ إنها جزء من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وقد أصبح موسمها اليوم منصة تلتقي فيها الزراعة بالتجارة والسياحة والتسويق والصناعات التحويلية.
في بريدة، تتحول أسواق التمور ومزارع النخيل إلى تجربة اقتصادية وثقافية، بينما يواصل موسم عنيزة الدولي للتمور تطوير منظومته التسويقية والاستثمارية ودعم المزارعين والتجار والصناعات التحويلية، مع تعزيز تجربة الزائر والاستفادة من التقنيات الحديثة. وهنا تظهر قيمة التراث في الاقتصاد الجديد.
فالنخلة التي كانت في حياة الأجداد مصدر غذاء ورزق، أصبحت اليوم أيضًا مصدرًا للتسويق والسياحة والتجربة الثقافية. وهكذا لا تهدم التنمية الذاكرة؛ بل تمنحها وظيفة جديدة في المستقبل. وهذه واحدة من أهم خصائص التحول السعودي: أن الماضي لا يُقصى حين يدخل المستقبل، وإنما يعاد تقديمه بصورة تمنحه عمرًا جديدًا.
صيف 2026.. حين يصبح الاستقرار نفسه قيمة سياحية
لكن صيف هذا العام لا يشبه ما سبقه. فالمملكة تستقبل موسمها السياحي في وقت تعيش فيه المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، بعد الحرب مع إيران وما رافقها من اضطرابات انعكست على الملاحة والطيران والتجارة والطاقة، وفي ظل المخاطر المستمرة التي تمثلها جماعة الحوثي المدعومة من إيران على أمن الملاحة في البحر الأحمر.
وهنا تكتسب السياحة السعودية معنى استراتيجيًا جديدًا. ففي يونيو 2026، نُقل عن وزير السياحة أحمد الخطيب أن القطاع السياحي السعودي شهد انخفاضًا بنحو 5 % إلى 6 % في الأشهر الخمسة الأولى من العام بسبب الحرب، لكنه وصف التباطؤ بأنه «قابل للسيطرة»، مشيرًا إلى أن السياحة الدينية ساعدت المملكة على امتصاص جزء من أثر الاضطرابات.
وهذه النقطة لا ينبغي أن تمر سريعًا. فالسياحة لا تحتاج إلى الفنادق والمنتجعات فقط؛ إنها تحتاج إلى الثقة. والثقة السياحية لا تُبنى بالإعلان، بل بالأمن والاستقرار والبنية التحتية وسهولة الحركة وجودة الخدمات وقدرة الدولة على الاستمرار. ولهذا فإن استمرار المملكة في تنظيم موسم سياحي واسع في 2026، رغم اضطراب البيئة الإقليمية، يمثل في حد ذاته رسالة عن قدرة الدولة على إدارة اقتصادها ومشاريعها تحت الضغط.
صحيح أن الأزمات تترك أثرها. لكن القوة الحقيقية ليست في إنكار أثرها. القوة في أن تتلقى الصدمة ولا تسمح لها بأن تعيد كتابة مستقبلك. وهنا تبدو التجربة السعودية أكثر عمقًا من مجرد أرقام موسم.
من رؤية 2030 إلى صناعة القوة
لقد دخلت السياحة السعودية مرحلة لا يمكن معها فصلها عن المشروع الوطني الأوسع. فالطريق إلى الوجهة يحتاج إلى البنية التحتية. والوجهة تحتاج إلى الفنادق. والفنادق تحتاج إلى النقل والطيران. والسائح يحتاج إلى الفعاليات. والفعاليات تحتاج إلى الثقافة والفنون. والثقافة تحتاج إلى حفظ التراث. والتراث يحتاج إلى قرية وسوق ومتحف ومزرعة. والجميع يحتاج إلى الأمن والخدمات والتقنية والاستثمار. أي أن السياحة، في حقيقتها، تجمع قطاعات الدولة كلها حول تجربة واحدة. ولهذا فإنها تصبح أحد أكثر القطاعات قدرة على صناعة القوة الاقتصادية والناعمة في آن واحد.
والأرقام تؤكد ذلك: فقد اقتربت الوظائف في الصناعات السياحية من 1.03 مليون وظيفة في 2025، فيما بلغت نسبة السعوديات من إجمالي السعوديين العاملين في الأنشطة السياحية المميزة نحو 47 %، مقارنة بـ5 % فقط في نهاية 2018.
إنها ليست سياحة تستقبل الزوار فقط؛ إنها سياحة تعيد تشكيل سوق العمل والاقتصاد المحلي، وتفتح مساحات جديدة أمام الطاقات الوطنية. وهذا هو جوهر رؤية 2030: أن تتحول الموارد من قيمة كامنة إلى قيمة منتجة.
السعودية التي تصنع صيفها.. وتصنع صورتها
ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو شعار «صيفنا على كيفنا» أعمق مما يبدو. فهو لا يعني فقط أن السائح أمامه خيارات كثيرة؛ بل يعني أن المملكة نفسها أصبحت تملك القدرة على تقديم أكثر من وجه في الوقت ذاته.
من يريد الجبل يجد عسير والباحة والطائف. ومن يريد البحر يجد جدة والبحر الأحمر. ومن يريد المدينة يجد الرياض. ومن يريد الثقافة يجد التاريخ والفنون. ومن يريد المغامرة يجد الطبيعة. ومن يريد تجربة ريفية يجد المزارع والفاكهة. ومن يريد أن يلمس ذاكرة الجزيرة العربية يجد النخلة والتمر والأسواق والحرف. إنها دولة واحدة، لكنها تقدم للزائر عوالم متعددة.وهذه ميزة لا تُشترى بالمال وحده؛ إنها نتيجة تاريخ وجغرافيا وثقافة، ثم نتيجة دولة قررت أن تستثمر هذه العناصر ضمن رؤية واحدة. والسعودية هنا لا تنافس على «عدد السياح» فقط. إنها تنافس على نوعية التجربة، واستدامتها، وتأثيرها الاقتصادي، وموقعها في الصورة العالمية للمملكة.وقد تجاوزت المملكة بالفعل مرحلة إثبات قدرتها على جذب الزوار؛ فالمستهدف الوطني أصبح الوصول إلى 150 مليون سائح سنويًا بحلول 2030، في وقت كانت المملكة قد تجاوزت مبكرًا المستهدف السابق البالغ 100 مليون زائر.وهذا يعني أن المسألة لم تعد: هل تستطيع السعودية أن تصبح وجهة سياحية عالمية؟
بل أصبحت: إلى أي مدى تستطيع السعودية أن ترفع سقف هذه المكانة؟.
التاريخ لا يكتب بالأرقام وحدها
ومن منظور الباحث في التاريخ والتراث، فإن أجمل ما في هذه المرحلة أن المملكة لا تبني مستقبلها من فراغ. إنها تستدعي عناصر ظلت حاضرة في حياة الإنسان السعودي قرونًا طويلة، ثم تمنحها أدوات جديدة. البحر الذي عرفته جدة وينبع بوصفه طريقًا للتجارة والحج، يعود اليوم بوصفه فضاءً للسياحة والاستثمار. والجبل الذي احتضن القرى والمزارع، يصبح وجهة عالمية. والورد الذي ارتبط بالطائف، يدخل في صناعة تجربة سياحية متكاملة. والنخلة التي كانت عماد الحياة الزراعية في القصيم، تصبح جزءًا من اقتصاد سياحي وثقافي حديث. هنا لا يكون التراث مجرد ماضٍ محفوظ، بل رأس مال حضاري للمستقبل. وهذه إحدى أهم علامات النضج في المشاريع الوطنية الكبرى: أن تعرف كيف تجعل الماضي يخدم المستقبل دون أن تفقده روحه.
الخاتمة: حين يصبح الصيف شاهدًا على التحول
في أزمنة الاضطراب، تختبر الدول قدرتها على حماية حاضرها، لكن الدول الكبرى تُختبر في قدرتها على مواصلة صناعة مستقبلها. وهنا تكمن دلالة صيف السعودية 2026.
ففي الوقت الذي اضطربت فيه ممرات بحرية دولية، وارتفعت مخاطر الملاحة، وتعرضت المنطقة لتوترات أمنية متلاحقة، لم تتوقف المملكة عن بناء وجهاتها، ولا عن تطوير سياحتها، ولا عن الاستثمار في الإنسان، ولا عن تحويل جغرافيتها إلى اقتصاد.
فالدولة القوية ليست التي لا تواجه العواصف؛ بل التي لا تسمح للعاصفة بأن توقف مشروعها.
من عسير، حيث يصعد الضباب فوق الجبال، إلى البحر الأحمر حيث تمتد الجزر والشعاب؛ ومن جدة التي حملت ذاكرة البحر والتجارة إلى الرياض التي تصنع صورة العاصمة العالمية؛ ومن الطائف التي يحرس الجبل فيها ذاكرة الورد والفاكهة إلى الباحة التي تستعيد الغابة بوصفها وجهة؛ ومن نخيل بريدة وعنيزة إلى كل قرية وسوق ومزرعة تستعيد مكانتها في الاقتصاد الجديد.. تتشكل أمامنا صورة سعودية مختلفة. صورة وطن لم يعد ينظر إلى موارده على أنها جزر منفصلة.
الجبل اقتصاد، والبحر اقتصاد، والمدينة اقتصاد، والتراث اقتصاد، والزراعة اقتصاد، والثقافة اقتصاد، والسياحة هي المساحة التي تلتقي فيها هذه القوى جميعًا. ولهذا فإن «صيفنا على كيفنا» ليس مجرد شعار لموسم سياحي. إنه عنوان لمرحلة أصبحت فيها المملكة قادرة على أن تقول للعالم: إننا لا ننتظر الظروف المثالية كي نبني؛ نحن نبني لأن المستقبل لا ينتظر. وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي سيبقى من صيف 2026.
فحين يعود المؤرخون يومًا إلى هذه المرحلة، فلن يروا في صيف السعودية مجرد موسمٍ للرحلات والفعاليات؛ بل سيجدون فيه مشهدًا من مشاهد التحول السعودي الكبير، حين بدأت المملكة تنقل قوتها من مواردها الطبيعية إلى منظومة أوسع من الاقتصاد والثقافة والسياحة والإنسان.فالسعودية لا تستقبل العالم في صيف 2026 لكي يكتشف العالم وجهاتها فحسب؛ إنها تستقبله لكي يرى كيف تصنع دولةٌ كبرى مستقبلها، حين يضطرب محيطها، وكيف تحول جغرافيتها إلى قوة، وتراثها إلى قيمة، واستقرارها إلى ثقة، وطموحها إلى تاريخ. وهنا، ربما، لا يكون السؤال: كيف سيكون صيف السعودية؟
بل السؤال الذي سيطرحه التاريخ لاحقًا: متى بدأ العالم يدرك أن السعودية لم تعد تبني وجهاتٍ سياحية فحسب.. بل كانت تبني موقعًا جديدًا لها في العالم؟.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي