سلمان بن محمد العُمري
اعتدنا في أحاديثنا العامة استخدام لفظ (اللقافة) و(الملقوف)، وهي كلمات عامية (تُشتق أصلها الفصيح من اللقف وهو الأخذ بسرعة)، وتعني التدخل السافر فيما لا يعني الإنسان، وفرض النفس على مواقف أو حوارات تخص الآخرين دون دعوة، وتزخر اللغة العربية بكلمات دقيقة تصف هذه الحالة بحسب شدتها وسياقها، ومنها التطفل والفضول والحشرية، وأياً كانت هذه الألفاظ ومدلولاتها إلا أنها جميعاً تصب في النفور من الشخص الملقوف أو الفضولي (فضولاً سلبياً) وهو رد فعل دفاعي طبيعي لمن ينتهك خصوصية الآخرين.
وهذا السلوك المشين قديم التصق بالناس والمجتمعات والشعوب ولا يزال قائماً حتى يومنا هذا وسيبقى إلى ما شاء الله.
وكافة الناس تنفر من أصحاب هذه العادة السيئة والسلوك المشين لأنه ينتهك خصوصية الآخرين بل وينفرون من هذا الفضولي والمتطفل مهما كانت النوايا حسنة، و»داء اللقافة»، أو «الفضول» بلا شك هو سلوك اجتماعي ذميم غير مقبول يؤدي لنتائج وخيمة.
وهذه العادة السيئة قد تكون سبباً في إحداث العداوة والبغضاء، لأن كثيراً من الأشخاص يلحون على التدخل في الشؤون الخاصة جداً للآخرين، والسؤال عن أمور قد تكون محرجة مما يضطر الآخرين إلى انتهارهم، وزجرهم، إذا ما كان السؤال مباشراً، وقد يتعدى هذا الفضول لما هو أسوأ منه، وذلك بنشر خصوصيات الناس والحديث عنها مع الآخرين فيكون ذلك سبباً في إثارة الخصومات والنزاعات، وفي الوعي الجمعي، يرتبط (الملقوف) دائماً بنقل الكلام، والناس لا يثقون بالفضولي؛ لأنهم يدركون أن من يجمع المعلومات بشغف عن الآخرين، سيبحث حتماً عن (جمهور) يفرغ أمامه هذه المعلومات.
وتعاليم الإسلام نبهت إلى هذا المرض الاجتماعي وهو «الفضول»، الذي ربما تكون سمة قد تظهر على الفرد بشكل فضول يلازم صاحبه منذ الصغر، وإن من محاسن إسلام الإنسان، وكمال دينه أن يترك ما يهمه، ولا يدخل في شأنه من التدخل في شؤون غيره سواء بالقول أو الفعل، أو غيرهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وفي الأمثال الشعبية يقال: «اللقافة قرافة»، وهي أعلى درجات الفضول، لأنها تدخل سافر يتجاوز حدود الاستطلاع المعقول.
وفي كل مجتمع تجد مثل هذه النوعيات من الذكور والإناث حيث تجدهم يسألون عن كل شاردة وواردة، تجدهم يتحدثون مع الكبار وحتى الأطفال الصغار، مروراً بالعاملين لدى الآخرين من سائقين وخدم تجدهم يسألونهم عن التفاصيل الدقيقة داخل بيوت الناس.
هؤلاء المرضى يعانون من مركب نقص، ولديهم من السلبيات الشيء الكثير.
إن لكل إنسان «منطقة أمان» نفسية واجتماعية يحيط بها نفسه، وعندما يقتحم (الملقوف) هذه المنطقة بأسئلته أو تحرياته (البوليسية)، يشعر الشخص الآخر بالتهديد والتعري الاجتماعي، وكأن بيته قد أُبيح للعامة، ومعه الحق كل الحق في الغضب فلا أحد يرغب في أن يكون مادة دسمة في أفواه الآخرين.