أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالات واسعة. ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! لتجد، في النهاية، أنَّ ترجمة «قوقل» الآليَّة أفضل بمراحل من ترجمة هذا الترجمان! هكذا قفزَ بنا (ذو القُروح) إلى عالم الترجمة. فسألتُ:
ـ هل من أمثلة؟
ـ ماذا يمكن أن تفهم، أو لا تفهم، من ترجمة أحدهم لما كتبه (رولان بارت)، في كتيِّبه «التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة (1) والإنجيل والقِصَّة القصيرة»، على سبيل النموذج، هكذا، لا فُضَّت ترجمته:
«وبعد هذا مثال: بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد؛ وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال». (2)
ـ ما شاء الله! كلمات عَرَبيَّة تقريبًا، لكن المعنى في بطن المترجِم!
ـ لا في بطنه ولا في ظهره! إنَّ قراءة النصِّ بلغة (بارت) كانت أدعى لفهمه من قراءة هذه الترجمة، مهما كان مستواك في معرفة لغة الكاتب. ذلك أن المترجِم، فوق عجمته، قطعًا لم يفهم ما دار في المقصد البارتي. من حيث إنك، كما كان يقول (عبدالقاهر الجرجاني) (3): «إذا فرغتَ من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فِكْرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتَّبُ لك. بحُكم أنَّها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحقةٌ بها، وأنَّ العِلم بمواقع المعاني في النفس عِلمٌ بمواقع الألفاظ الدالَّة عليها في النُّطق».
ـ فما جدوى الترجمة ها هنا؟!
ـ والطريف أنَّ السِّياق عن «مشكلات الترجمة»!
ـ غير أنَّ الأعوص من «مشكلات الترجمة» مشكلات العُجمة، المشبَّعة بالدوارج.
ـ لتسأل -حماك الله- ما هدف بعض هذا الهُراء المعاصر؟
ـ الإسهام المعرفي؟
ـ بل قل: الإسهام التجاري، العائد على مَن يُسمِّي نفسه ترجمانًا، وعلى الناشر التاجر، من قَبل ومن بَعد؟
ـ «وبعد هذا مثال:...»؟ هكذا يقول. أيُّ مثال يقصد؟!
ـ وما أدراني؟
ـ ثمَّ «بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد...».
ـ «بالنسبة» هذه يكرِّرها في سطرين مرتين!
ـ وفي لهجات عَرَبيَّة أخرى: «بالنِّزْبَة»!
ـ ثمَّ انظر إلى قوله: «للتحليل للسرد»! أو: «وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال».
ـ حقًّا إنها ترجمة غير ملائمة مطلقًا، ولا مفهومة، ولا عَرَبيَّة، ولا أعجميَّة!
ـ إلَّا إنْ كانت العَرَبيَّة لا تعني إلَّا رسم الحروف، وصِلة الكلمات النِّسبيَّة بالعَرَبيَّة، ولا علاقة لها بالتركيب، والصياغة، والقصد.
ـ إنَّ صاحبنا هنا يترجم بأسلوب من يتحدث بسُوقيَّة مبتذلة في الشارع.
ـ بل قل: بأسلوب من يهذي في حالة من «السَّرْنَمَة» اللَّيليَّة؛ لأنَّ من يتحدَّث في الشارع حريٌّ أن يتوخَّى الإبانة كي يفهمه السامع! أمَّا صاحبنا، فغير مكترث، لا بالنصِّ، ولا بالقارئ، ولا بقيمة ما يُخرجه إلى الناس، بل بقيمة ما يدخل إلى جيبه في نهاية المطاف، أو يناله من صِيت: أنَّ فلانًا قد ترجم العمل الفلاني، أو بالأصح «ترقمه»، أي رَقَمَه بحروفٍ عَرَبيَّة بلا معنى!
ـ وتزداد الجرأة على مثل هذه «الترقمات» اليوم في ميدان (الأدب والنقد)، أكثر بكثير من ميادين (العلوم)؛ بحُجَّة أنَّ ميدان (الأدب والنقد) ميدان الغموض وتعدُّد الدلالات والقراءات.
ـ صحيح. فما على المترجم من ملام، مهما جمجم وغمغم أو أبهم. لا تثريب عليه أن يرتكب كلَّ الخيانات، للنصِّ، والناصِّ، والمعنى، والقارئ، واللُّغة. بل كلَّما جاءت ترجمته ركيكةً وبلا معنى، أضفَى ذلك هالة من القيمة على الكاتب والنصِّ والمترجِم في آن! ما يستدعي حينئذٍ من (رولان بارت) نفسه أن يشتغل على نصِّه المترجم إلى العَرَبيَّة بـ«التحليل النصِّي»، لعلَّه يتمكَّن من فكِّ أسراره، ويقدِّم (قراءة صِفريَّة)! ومن ثَمَّ يَمنح مترجمًا عربيًّا نحريرًا آخَر فرصة أن يتصدَّى لنقل ذلك «التحليل النصِّي» إلى جيلٍ لاحقٍ من الأعراب؛ كي يتعلَّموا كيفيَّة تحليل النصوص؟
ـ وهكذا، تدور بنا الدوائر من التردِّي المعاصر، من المغرب إلى المشرق، وبلا حدود. تردِّيًا يبدأ بالكلمة، ومنها كلُّ بدء، وينتهي، حيث لا نهاية، بالعِلم والعمل.
ـ على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». أُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضَّبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضَّبط بالشَّكل.
ـ مثلًا؟
ـ الأمثلة كثير. لكن سأقف بك على مفتاح (جَيْزان) من «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، مثلًا. فقد جرَّدتْ الترجمة هذا الاسم حروفًا غير مضبوطة(4)، وكانت في غيره تُحرِّف الشَّكْل أحيانًا بصُوَرٍ غير صحيحة. ويُلحَظ أنَّ معظم الكلمات كانت مضبوطة بالشكل في الطبعة المِصْريَّة قبل أكثر من خمسين سنة، وبصورة صحيحة غالبًا، ثمَّ حُرِّفت في الطبعة الأخيرة. خذ مثلًا:
الطبعة المِصْريَّة: (خَوْلان، جبل العُـرّ، عَقْم وجمعها عُقوم، ضَمَد، النجاحيَّة)، وضبطُها سليم. ثمَّ صارت في طبعة الشارقة: (خوَلان، جبل العُـرَ، عَقْم وجمعها عَقوم، ضَمدَ، النجاحَّية).
أمَّا ما اشتركت الطبعتان في الخطأ فيه -كلُّ واحدة على طريقتها- فمنه:
الطبعة المِصْريَّة: (الموَسَمَّ، بلغ جنوبًا إلى مخا بل احتل تعزّ)، وفي طبعة الشارقة: (المَوسَمَ، بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ). والصواب: «المُوَسَّم»، «بلغ جنوبًا إلى (مخا)، بل احتل تعزّ».
وحديث الترجمة ذو شجون!
* مرفأ:
أَطِعْ مَنْ شِئْتَ، واعْصِ هَوَاكَ، تَنْجُو؛
فسُـلْطَانُ الهَـوَى الأَمْضَى نِصَالا
وسُـلَّـمُ كُـلِّ مُـعْـجِـزَةٍ كِـفَـاحٌ
يُـفَـتِّـقُ في جِـدَارِ الغَـيْبِ جَـالا
وخَوْفُ المَوْتِ مَوْتٌ فَوْقَ مَوْتٍ
فَأَعْـتِـقْ من كِـلا مَوْتَـيْـكَ بَـالا
وأَخْوَفُ مِنْ حِيَاضِ المَوْتِ كَأْسٌ
تُحِـيْلُ الـمَوْتَ راحًـا وارتِـحَالا
فـلا تَـشْـرَبْ مِـنَ السُّـمِّ اتِّـكَـاءً
عَلَى التِّرْيَاقِ، مَهْما الطِّبُّ غَالَـى!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود بـ«التوراة» هنا: الأسفار التاريخيَّة القصصيَّة الأُسطوريَّة المسمَّاة بـ«العهد القديم»، لا «توراة موسى»! لكن دِقَّة المترجِم هنا طامَّةٌ شاملة!
(2) بارت، رولان، (2009)، التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة والإنجيل والقصة القصيرة، ترجمة وتقديم: عبدالكبير الشرقاوي، (دمشق: دار التكوين).
(3) (1984)، دلائل الإعجاز، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 54.
(4) تُقارَن: طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، 11: 3292.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)