د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير
تمثل حقبة الخمسينيات الميلادية أكبر موجة تحول اجتماعي واقتصادي في تاريخ المملكة الحديث، فقد حملت معها توسعًا غير مسبوق في التنظيم الإداري، وإنشاء المستشفيات والفنادق والشركات والمصانع، وولادة اقتصاد حضري جديد أعاد تشكيل المدينة ووظائفها.
وفي الوقت نفسه شهدت الأحياء التقليدية هدم مساحات واسعة من نخيل التمور والمزارع والقصور الطينية، لتصبح هذه التحولات تعبيرًا عن انتقال منظومة قيم كاملة، فقد تمسكت الأجيال الأقدم برأس مالها الاجتماعي القائم على السمعة والوجاهة وامتلاك الأرض واستمرار الإرث العائلي، بينما اندفعت الأجيال الجديدة نحو استثمار الأراضي وتسييل الأصول والانخراط في اقتصاد السوق.
تمثل معكال رمزا لأحياء النخبة المنتشرة جنوب الرياض القديمة، قصور طينية داخل نخيل التمور في دخنة ومعكال ومنفوحة والمصانع والشميسي وصياح، وقد هيمن هدم معكال على التغيير العمراني؛ إذ أعاد تشكيل ذاكرة الرياض نفسها، بعدما استبدل فضاءً حمل تاريخ النخبة وطرائق عيشها بفضاء جديد يحمل ذاكرة اجتماعية مختلفة.
ولكن ما يميز معكال عن غيرها، شهرتها بكثافة نخيلها، وكانت معظم البساتين مملوكة للأسر العريقة، التي اعتادت بناء مساكنها داخل النخيل، وكثافة الأعيان وقربهم من السلطة، وكثير منهم مقصد الأهالي والتجار لحل المشكلات وعقد مجالس الصلح.
وتستند بلدة معكال إلى تاريخ عريق في النخبوية، فقد ذكرتها المصادر قبل نهاية القرن العاشر الهجري؛ إذ ذكر المؤرخ العصامي أن شريف مكة حسن بن أبي نمي أغار عليها بجيش كبير سنة 986هـ. كما غزاها الإمام عبدالعزيز بن محمد سنة 1185هـ، قبل أن يدخل الرياض بثلاث سنوات.
اشتهرت معكال خلال القرن الثاني عشر الهجري بوجود تيار علمي متأثر بالتصوف الفلسفي، إذ برز فيها عدد من العلماء الذين نُسب إليهم تدريس كتب محيي الدين ابن عربي وابن الفارض، وكانوا من أبرز المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في بداياتها، ومن أشهر أسمائهم: القاضي سليمان بن سحيم، وموسى بن جوعان، وسلامة بن مانع، وغيرهم. كما عُرفت بوجود قبة صوفية بناها تاج بن شمسان. وشمسان شخصية محلية اشتهرت في نجد خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، ارتبط اسمها بالولاية الشعبية وتعظيم العامة، وورد ذكرها في رسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب ضمن الأسماء التي كان بعض الناس يتعلقون بها بالنذر والاستغاثة، مما يدل على حضورها في الذاكرة الدينية والاجتماعية لنجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى.
مما يعكس أن معكال كانت إحدى البيئات العلمية والدينية التي شهدت حضورًا علميًا واضحًا قبل نحو ثلاثة قرون.
كانت حقبة الخمسينيات الميلادية/ السبعينيات الهجرية لحظة تحول كبرى، شهدت فيها الرياض حداثة عمرانية ودخول تقنيات جديدة بشكل واسع كالسيارات والكهرباء ومواد بناء، وقدوم آلاف من الأسر من بلدان نجد وغيرها، ما تطلب معه موجة بناء قصدية من العقاريين الجدد والتخطيط الحضري المنظم.
كان توسع التخطيط الحضري في بناء الأحياء على أنقاض النخيل من أهم مراحل التحول الصامتة في الرياض، وذلك لأن هدم النخيل يعني هدم منظومة متكاملة من الطبقات الاجتماعية، وتحويل الأسر التي تمتلك مزارع ومنازل على مساحة تقاس بآلاف الأمتار (وكانت تقاس بالذراع في الخمسينيات)، إلى أسر تسكن بيوتا طينية وحجرية بمتوسط 100 متر للبيت الواحد، ما يعني انتهاء طبقة من ملاك النخيل والأراضي وتوسع للطبقة الوسطى وبداية نشوء جديد لطبقة نخبوية جديدة.
صاحب هدم سور الرياض في أوائل الخمسينيات عمليات هدم النخيل الواقعة جنوبها، وكانت أهم من هدم السور؛ وذلك لأن نخيل أهالي الرياض تقع جنوبها من معكال حتى منفوحة، فكان الأهالي يقتطعون أجزاء من نخيلهم ويبيعون لمن أراد التوسع، فتنشأ الأحياء الشعبية المتلاصقة بين الرياض القديمة ومنفوحة، فكانت نخيل وبها بيوت أهلها، ثم جزء من الحي نخل وجزء مساكن للحي وجزء أراضٍ براح، فكانت وتيرة التغير الاجتماعي تسير ببطء، فلم تلاحظها الأجيال، ولا التقطها باحث.
ليالي معكال وليالي الحلمية
يرمز الليل للزمن والذاكرة، لأن مجالس النخبة كانت تنعقد فيه، لتداول الأخبار، وبناء العلاقات، بينما يمثل الصباح زمن العمل والكدح، لذلك يعبر العنوان عن سيرة الطبقات الاجتماعية النخبوية في معكال وتحولاتها عبر الأجيال.
يمكن تشبيه ما شهدته الرياض في خمسينيات القرن العشرين بوصفه تحولًا عمرانيًا واجتماعيًا يشبه، من بعض الوجوه ومع اختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية، ما عرفته القاهرة في الحقبة نفسها، ففي القاهرة أزيلت مساحات واسعة من السرايات في الحلمية التي كانت تضم قصور البشوات وبساتينهم، وأعيد تخطيطها لتتحول إلى أحياء تستوعب الطبقة الوسطى الصاعدة، فتبدد المجال المكاني الذي كان يجسد الهيبة الاجتماعية للنخبة، ومع الزمن فقدت تلك الأحياء هويتها الأرستقراطية تحت ضغط الكثافة السكانية والتوسع العمراني.
قدّم مسلسل «ليالي الحلمية» هذا المسار دراميًا في صورة انهيار طبقة البشاوات في مصر، ومن بقي منهم لم تعد الحلمية ملائمة للسكن، لتفكك الجيران الذين جاوروهم أبًا عن جد، وصعود الطبقات الشعبية، وقد كتب سيناريو المسلسل متخصص في العلوم الاجتماعية، وأعطى خياله مجالًا واسعًا للصراع الطبقي، ما جعل المسلسل مشروعًا لذاكرة القاهرة، لا يقل أهمية عن مشروعات الدراسات وروايات التاريخ الشعبي.
وشهدت الرياض مسارًا مشابهًا في حي معكال؛ إذ كان يمثل فضاءً للنخبة بما احتواه من النخيل والبيوت التاريخية والمباني الطينية الكبيرة متعددة الأدوار والواسعة المساحات، ثم أزيل هذا النسيج العمراني بوتيرة سريعة مدفوعة بطفرة التنمية وعوائد النفط الضخمة، وأعيد تخطيطه وفق النموذج الحضري الحديث، فاختفت البيئة التي كانت تعبر عن المكانة الاجتماعية للنخبة، وحل محلها نسيج عمراني جديد غيّر وظيفة الحي وتركيبته السكانية، وأغلق مرحلة تاريخية كانت فيها العمارة والمكان امتدادًا مباشرًا للنفوذ الاجتماعي.
يمكن تصميم مسلسل يعكس ظاهرة اجتثاث نخيل معكال وتجريف بساتينها وتحويل القصور الطينية إلى أحياء ببيوت صغيرة متجاورة تسكنها الطبقات الوسطى والفقيرة بما يعكس «ليالي معكال»، بوصفهما تحولًا اجتماعيًا واسعًا، وظهور فكرة الاستثمار العقاري الجديد، بتحويل المزارع إلى مخططات سكنية، فبيع السرايا في الواقع المصري تشكّل تحت تأثير التشريع والاضطرار التاريخي المرتبط بتفكيك الملكيات الكبرى.
وثق الفن تحولات المجتمع المصري، أما «ليالي معكال» فقد طمرتها السنين؛ إذ اختفت بيوت النخبة الطينية، وتبددت نخيلها ومجالسها وذاكرتها الاجتماعية، وصوت النخبة المعارضة، من دون أن تلتقطها رواية أو دراما تكشف التحول الخفي الذي نقل الحي من فضاء للنخبة إلى حي شعبي، وطمس عالمًا كاملًا من العلاقات والرموز والتراتبية الاجتماعية.
الدراما السعودية تملك قدرات ضخمة في الإنتاج، لكنها لا تزال تفتقر إلى كاتب سيناريو يبني قصة من مكونات اجتماعية وتاريخية عميقة؛ فقد قدّمت أعمال مثل «شارع الأعشى» و»الجرادية» الحي القديم بوصفه خلفية للحكاية، ثم أعادت مركز الثقل إلى الغزل والخيانة والعلاقات العاطفية، بدل أن تجعل النخبة، وصراع الأجيال، وتحول الثروة، وتبدل القيم، وانهيار البنية الاجتماعية للحي هي أصل الدراما.
معكال قادرة على إنتاج عمل أعمق بكثير؛ حكاية عن مجتمع كامل ينتقل من عالم إلى آخر، وعن أسر تفقد مكانتها، وأجيال تصعد، ومدينة تهدم ذاكرتها وهي تتوسع. ففي هذا النوع من الدراما يكون الغزل والخيانة من هوامش المشهد، بينما يبقى المجتمع وتحولاته هو البطل الحقيقي.
ذاكرة المجتمع الحيوي
تعد البيئة الحية جزءا أساسيا من ذاكرة الحياة اليومية للبلدان والأحياء القديمة، إذ كانت الأغنام والحمير والقطط والكلاب جزءًا من نظام معكال البيئي، وكانت معكال بلدًا مستقلا ومحاطًا بسور، ثم أصبح من الأحياء بطابع ريفي؛ فهي تحمل الأحمال، وتحرس البيوت، وتقتات من بقايا الأطعمة وتبيد الحشرات والزواحف السامة، وتتحرك بين النخيل والطرق الترابية وبطن الوادي بلا فصل حاد بين الإنسان والحيوان والمزرعة.
وحين جاء التخطيط الحضري الحديث اختفى هذا التداخل كله؛ فاقتُلعت النخيل، وسُوّيت الأرض، ورُصفت الطرق، واختفت الحيوانات، وأصبحت مغادرتها علامة على تبدل الحضارة نفسها، وإعلان انتقال الرياض إلى مدينة منظمة تفصل السكن عن الزراعة، والحيوان.
انقطع مع ذاكرة معكال جزء من ذاكرة الرياض الثقافية، واختفى معجم كامل من المفردات والمصطلحات التي كانت تصف أجزاء المزرعة والبيت وأدوات العمل والحياة اليومية، وتراجعت أسماء ارتبطت بالمكان حتى غدت غريبة على الأجيال الجديدة. وانقرضت أنماط في اللباس، والأثاث، والديكور، والضيافة، وأساليب البناء، لأنها فقدت البيئة التي منحتها معناها ووظيفتها.
فالمجتمعات الحيوية تورث أبناءها الذاكرة التي تمنح الأشياء أسماءها، والأمكنة معناها، والحياة اليومية هويتها؛ وعندما تنقطع هذه السلسلة، يبقى العمران الجديد قائمًا، بينما يغيب العالم الثقافي الذي كان يمنحه روحه.
ختام
كأن ضجيج مجالس معكال ما زال يتردد؛ بين جيلٌ يرى في النخيل ميراثًا لا يُباع، وفي القصور سجلًا للأسرة، وفي الأرض امتدادًا للشرف والاسم، ويقابله جيلٌ جديد يستقبل السيارات، والكهرباء، والشوارع الجديدة، ويرى في تقسيم المزارع وبيعها فرصة للثراء وبداية لحياة أكثر اتساعًا.
وبين هذين الصوتين تشكلت لحظة التحول الكبرى في الرياض؛ فقد كان الصراع بين محافظين ومجددين، وبين تصورين مختلفين لمعنى الأرض، وقيمة المكان، ومستقبل المدينة، ومع اتساع العمران انتصرت الحداثة، وتراجعت البساتين واجتُثَّت مساحات واسعة من النخيل، وحلّت الشوارع والمخططات محل المزارع والقصور الطينية، لتبدأ دورة عمرانية جديدة أعادت تشكيل المجال الاجتماعي، وغيّرت ملامح المدينة، ونقلت الثروة والوجاهة من ملكية الأرض الزراعية إلى الاستثمار العقاري والتجاري.
للظواهر الاجتماعية حياتان؛ حياة تُرى بالملاحظة للعموم، وحياة تُدرك بأثرها في الناس للعقول التحليلية، والأحياء والمدن تسير على المنطق نفسه؛ فهي تحيا حين تُبنى، وتحيا مرة أخرى حين تبقى في الذاكرة، وتموت حين تُهدم، وتموت مرة أخرى حين تزال من الذاكرة ويفقد المجتمع الشعور بهذا الزوال، ويختفي من يتذكر أن هنا كانت معكال.