عبدالعزيز بن سليمان الحسين
من المؤكد أن ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم من نهضة ثقافية يمثل إحدى أبرز صور التحول الوطني، حيث أصبحت الثقافة ركيزة أساسية في مسيرة التنمية، ووسيلة لبناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية. وفي الحقيقة، لم يعد النشاط الثقافي حكرًا على مدينة أو منطقة، بل امتد ليشمل شرق المملكة وغربها، وشمالها وجنوبها، لتعيش جميع المناطق حراكًا ثقافيًا متنوعًا يبعث على الفخر والاعتزاز، ولعل مبادرة الشريك الأدبي التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة تُعد من أنجح المبادرات الثقافية التي أسهمت في تنشيط المشهد الأدبي والثقافي، إذ وفرت منصات متعددة التقت فيها الأفكار بالمواهب، واجتمع فيها الأدباء والباحثون والمثقفون والمهتمون بالمعرفة في لقاءات ثرية صنعت أثرًا واضحًا في المجتمع، والأجمل من ذلك أن دور النشر، والمقاهي الثقافية، والديوانيات، والمنتديات، والمراكز الثقافية أصبحت ساحات حقيقية لاكتشاف المواهب، وإبراز أدباء ومفكرين وباحثين ربما لم تكن الفرصة متاحة لهم من قبل.
ومن هنا، اتسعت دائرة المشاركة، وازدادت مساحة الحوار، وبرزت أسماء جديدة تثري الساحة الثقافية بإبداعاتها وأفكارها، أما الحفل الختامي لمبادرة الشريك الأدبي، فلم يكن مجرد مناسبة لتوزيع الجوائز، بل كان احتفاءً وطنيًا بكل من أسهم في صناعة هذا النجاح. وفي الواقع، عكس الحفل حجم الجهد الذي بذلته الجهات المشاركة، ورسّخ قناعة بأن تكريم المبادرات المتميزة هو أحد أهم وسائل التحفيز على الاستمرار والابتكار، بما يضمن استمرار هذا الزخم الثقافي عامًا بعد عام،
وكان مما أسعدني وشرّفني أن تنال دار قنطرة المعرفة التابعة لديوانية آل حسين التاريخية جائزة أفضل فعالية ضمن مبادرة الشريك الأدبي، عن الندوة التي قدمها الباحث الأستاذ عبداللطيف المهيني، والتي تناولت دور الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في تأسيس التعليم ورعاية الأدب والثقافة، ووضع اللبنات الأولى لنهضة علمية وثقافية أثمرت عن مكانة رفيعة للمملكة، حتى أصبحت تنافس دول العالم في مجالات الثقافة والمعرفة،ولا يسعني وكل المشاركين إلا أن نثمن الجهود الكبيرة التي بذلتها وزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، والقائمين على مبادرة الشريك الأدبي، وجميع الشركاء الثقافيين في أنحاء المملكة. فقد أثبتت هذه المبادرة أن الثقافة حين تجد الدعم والتخطيط والشراكة الفاعلة، فإنها تتحول إلى مشروع وطني يصنع الأثر، ويكتشف المبدعين، ويبني جسور المعرفة بين أفراد المجتمع، وهو ما ينسجم مع طموحات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي مزدهر قائم على العلم والإبداع.