د.أمل بنت محمد التميمي
قد تبدو الإجابة سهلة:
أسماء أُعلنت، وجوائز وُزعت، ومنصات احتفت بالمكرمين. لكنني خرجت من الحفل وأنا أحمل سؤالًا آخر: هل كان الفائز الحقيقي هو من صعد إلى المسرح، أم أن هناك فوزًا أكبر لا يُقاس بدرع، ولا يُعلن في نهاية الأمسية؟
من هنا تبدأ هذه المقالة؛ لا بوصف الحفل، بل بمحاولة قراءة ما كشفه الحفل عن التحول الذي يشهده المشهد الثقافي السعودي. فكيف نعرف أن السياسة الثقافية نجحت؟ وماذا كشف هذا الحدث عن المجتمع؟ وماذا تغير في الثقافة؟ ولماذا ظهر هذا الجيل من المبادرات الثقافية؟ وماذا تقول هذه الجوائز عن المجتمع؟ وما الفكرة التي خرجنا بها جميعًا؟
في العلوم السياسية قد تُقاس السياسات بالأرقام، وفي الاقتصاد تُقاس بالنمو، أما في الثقافة فالأمر أكثر تعقيدًا؛ لأن الثقافة لا تغيّر المباني، بل تغيّر الإنسان. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم مبادرة أُطلقت؟ أو كم جائزة مُنحت؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا تغيّر في الناس؟ وهل أصبحت الثقافة جزءًا من حياتهم اليومية، أم بقيت نشاطًا موسميًا للنخبة؟
حين دخلت قاعة الحفل الختامي للموسم الخامس من مبادرة الشريك الأدبي، ظننت أنني سأشهد أمسية لتكريم الفائزين، لكن ما رأيته كان أكبر من ذلك. لم يكن المشهد مجرد منصة تُعلن عليها الجوائز، بل صورة لمشروع ثقافي بدأ يؤتي ثماره؛ مئات الشركاء من مختلف مناطق المملكة، ومبادرات متنوعة، وأجيال متعددة اجتمعت تحت مظلة واحدة، وكأن الحفل لم يكن يحتفي بالفائزين وحدهم، بل يحتفي بتحولٍ بدأ يتشكل في المجتمع.
وبين التصفيق للمكرمين، بكل من اعتلى منصة التتويج، كان هناك مشهد آخر استوقفني أكثر من إعلان النتائج. إلى جواري كان يجلس ابني عبد الملك، لا بوصفه مرافقًا لوالدته، بل بوصفه واحدًا من أبناء هذه التجربة الثقافية وعلى صدره بطاقة الشريك الأدبي وسام شرف وميثاق حب للوطن.
رافقني منذ انطلاق نادي النوى وهو طالب في المرحلة الثانوية، ومع كل فعالية لم يكن يكتفي بالحضور، بل كان يدخل إلى عالم جديد؛ يتعلم التصوير، والتنظيم، وإدارة الفعاليات، وبناء العلاقات، ويقترب من رواد العمل الثقافي ومبادراته. ومن أكثر التجارب التي تركت أثرها فيه تجربة مقهى السبعينات. وعندما أُعلن فوزه، قفز من مقعده بعفوية وفرح، وكأن الجائزة مُنحت له شخصيًا. لم يكن ذلك فرحًا بمكان، بل انتماءً لتجربة، وشعورًا بأن نجاح الآخرين جزء من نجاحه.
حرص المشهد الثقافي السعودي اليوم على إشراك اليافعين والأطفال في المشهد بوصفهم جزءا منه، ولعل أجمل ما يميز المشهد الثقافي السعودي اليوم أنه يهيئ جيلاً ينتمي إلى الثقافة، ويفتح أبوابه لليافعين والأطفال، لا بوصفهم جمهور المستقبل، وإنما شركاء في صناعة الحاضر. عندها أدركت أن أكبر ما تكسبه الأوطان ليس كأسًا يُرفع، وإنما إنسانًا ينتمي إلى العمل الثقافي، ويشعر أن نجاح الآخرين جزء من نجاحه.
وفي القاعة التقيت بالطفلتين لانا الغامدي وجود العنزي، وهما من الأطفال الذين شاركوا في فعاليات نادي النوى، والتقيت كذلك بعدد من الأطفال الذين أصبحت لهم علاقة مبكرة بالعمل الثقافي. كان حضورهم في الحفل الختامي امتدادًا طبيعيًا لتجارب بدأت في المبادرات الثقافية، وانتهت بهم إلى أن يكونوا جزءًا من المشهد الثقافي السعودي. عندها أدركت أن الثقافة تؤتي ثمارها حين يجد الطفل مكانًا له بين المبدعين والكتّاب والقراء، وحين يشعر أن هذا المشهد يتسع له منذ خطواته الأولى.
ولعل أكثر اللحظات إنسانية كانت عند إعلان النتائج. كانت دقات القلوب تتسارع مع الموسيقى انتظارًا للأسماء، وما إن يُعلن فوز مبادرة حتى يرتفع التصفيق من الجميع، وكأن الفرح يتسع للجميع. جلست إلى جواري إحدى المبادرات الفائزة، ولم يكن بيننا سابق معرفة، لكننا تبادلنا التهاني بعفوية، وشعرت أن هذا اللقاء لم يبدأ في تلك الليلة، وإنما بدأ منذ أن جمعتنا فكرة واحدة.
وحين قالت الدكتورة عهود اليامي في ختام الحفل: «الكل فائز»، لم تكن عبارة احتفالية. بدت خلاصة دقيقة لما رأيناه طوال الأمسية؛ فالفوز لم يكن حكرًا على من صعد إلى المنصة، وإنما شمل كل من أسهم في بناء هذا الحراك الثقافي، وكل طفل وجد طريقه إلى الأدب، وكل شاب اكتشف موهبته، وكل نادٍ فتح أبوابه للمجتمع.
ثم جاء المشهد الذي اختصر التحول الحقيقي في المشهد الثقافي السعودي كله. دخلنا قاعة العشاء التي جمعت مئات الشركاء من مختلف مناطق المملكة. لم نكن نعرف معظم الوجوه وبدأنا بالتعارف، ولم يكونوا جميعًا أدباء أو أكاديميين أو كتّابًا؛ كان بينهم أصحاب مقاهٍ ثقافية، ومؤسسات أهلية، ومبادرات مجتمعية، ومساحات إبداعية، ومتطوعون من مختلف الأعمار. عندها أدركت أن المشروع الثقافي في المملكة لم يعد حكرًا على المؤسسات، وإنما أصبح مشروعًا يتقاسمه المجتمع، ويحمله شركاء يعود كل منهم إلى مدينته وهو يضيف أثرًا جديدًا.
لهذا، حين أسأل اليوم: من الفائز الحقيقي في حفل الشريك الأدبي؟ أجد أن الإجابة لا تختصرها قائمة المكرمين. الفائز الحقيقي هو الإنسان الذي خرج من هذه المبادرة أكثر قربًا من الثقافة، وأكثر إيمانًا بقيمتها، وأكثر استعدادًا لأن يكون شريكًا في صناعة مستقبلها.
هذه هي الفلسفة التي تقود الإدارة الثقافية في المملكة؛ الاستثمار في الإنسان، وبناء العلاقات، وصناعة الشراكات، وتوسيع دائرة المشاركة، حتى يصبح الأدب جزءًا من الحياة اليومية، وحضورًا طبيعيًا في المجتمع. غادرت الحفل وأنا أحمل تقديري لكل من نال التكريم، وأبارك للفائزين الذين استحقوا هذا الإنجاز.
لهذا، حين أعود إلى السؤال الذي بدأت به: من الفائز الحقيقي في حفل الشريك الأدبي؟ أجد أن الإجابة لا تقف عند منصة التتويج وإنما تمتد إلى كل إنسان حمل هذه التجربة معه. هناك يكمن الإنجاز الحقيقي لمبادرة الشريك الأدبي؛ أنها جعلت الأدب يعيش بين الناس، ويصبح جزءًا من أسلوب حياتهم. غير أن شعوري الأكبر كان أن الوطن هو الفائز الحقيقي. فعندما ترى شابًا وجد مكانه في العمل الثقافي، وأطفالًا يحضرون الفعاليات بوصفهم جزءًا من هذا الحراك، ومئات الشركاء يجتمعون على اختلاف تخصصاتهم تحت مظلة مشروع وطني واحد، تدرك أن الثقافة لم تعد تُقاس بعدد الأمسيات أو الجوائز، وإنما بعدد البشر الذين تركت فيهم أثرًا.
ولعل هذا الأثر لم يكن ليتحقق لولا الرؤية التي تبنتها هيئة الأدب والنشر والترجمة في مبادرة الشريك الأدبي؛ رؤية آمنت بأن الأدب لا يزدهر بالمؤسسات وحدها، وإنما بالشراكات، وبالاستثمار في الإنسان، وببناء مجتمع ثقافي يشارك في صناعته الجميع. وهكذا أصبحت المبادرة نموذجًا وطنيًا يعكس طموح المملكة في أن تكون الثقافة ركيزة من ركائز جودة الحياة، وجسرًا يعبر بالأدب السعودي إلى آفاق عالمية.
ولعل ما أنجزته هيئة الأدب والنشر والترجمة في مبادرة الشريك الأدبي يتجاوز تنظيم موسم ثقافي ناجح؛ فقد أسهمت في بناء تجربة رسخت حضور الأدب في المجتمع، ووسعت دائرة المشاركة الثقافية، وقدمت نموذجًا يعكس طموح المملكة إلى ثقافة حية، تصنع الإنسان، وتواكب نهضتها، وتحمل الأدب السعودي بثقة إلى العالم.
فإذا كان لكل حفل فائزون، فإن الفائز الأكبر في تلك الليلة كان الوطن، حين رأى ثمرة مشروع ثقافي بدأ يصنع الإنسان، قبل أن يصنع المنصات والجوائز.
** **
- جامعة الملك سعود.