د. يحيى جابر
يُعد الإقناع من أهم وظائف الإعلام، إذ لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يمتد إلى التأثير في اتجاهات الجمهور وآرائه وسلوكه، وتعتمد المؤسسات الإعلامية المحترفة على مجموعة من الوسائل والأساليب النفسية والاتصالية للوصول إلى المتلقي وإقناعه برسالة أو فكرة أو موقف معين، مع اختلاف هذه الوسائل بحسب طبيعة الجمهور والوسيلة الإعلامية والهدف من الرسالة، من خلال كفاءات مهنية محترفة تتقن العملية الإعلامية وخلفياتها ومهاراتها، والتي تعتمد عليهم المؤسسة في بلورة هذه الطرق والعملية، ومنهم القيادات ذات الكفاءة العالية والموظفين بهذا القطاع والمراسلين والمصورين والمخرجين والمصادر وغيرهم، فهم القوة الضاربة المهمة كقائمين بالاتصال، لنجاح المؤسسة الإعلامية، ومن أبرز وسائل «الإقناع» في الإعلام التي تبدأ بالحقائق والأرقام والإحصاءات، إذ تعتمد الرسائل الإعلامية على الأرقام والبيانات الموثقة لتعزيز المصداقية وإقناع الجمهور، لأن المعلومات المدعومة بإحصاءات تبدو أكثر قوة وتأثيرًا من الآراء المجردة، وثانيًا، الأدلة والشواهد، من خلال الاستشهاد بالدراسات العلمية، والتقارير الرسمية، وتجارب الدول، والأحداث الواقعية يمنح الرسالة الإعلامية قوة ويزيد من ثقة الجمهور بها، وثالثًا، الاستعانة بآراء الخبراء والمتخصصين، ليؤدي ظهور الأكاديميين والأطباء والاقتصاديين والباحثين إلى تعزيز مصداقية الرسالة، إذ يميل الجمهور إلى الثقة بمن يمتلك المعرفة والخبرة، ثم رابعًا، التأثير العاطفي، حيث تستخدم وسائل الإعلام القصص الإنسانية، والصور المؤثرة، والموسيقى، ولغة المشاعر لإثارة التعاطف أو الفخر أو الخوف أو الأمل، مما يزيد من احتمالية الاستجابة للرسالة، وخامسًا، التكرار، ليساعد تكرار الرسائل والشعارات والمعلومات والصور على ترسيخها في الذاكرة، ويُعد من أكثر أساليب الإقناع استخدامًا في الحملات الإعلامية والإعلانية، و سادسًا، الصورة والفيديو، وللصورة قدرة كبيرة على التأثير؛ فهي تنقل المشاعر والمعلومات بسرعة، وقد تترك أثرًا يفوق أثر النصوص الطويلة، خاصة مع استخدام التصوير الاحترافي والزوايا المناسبة، وسابعًا، اللغة والأسلوب، فاختيار الكلمات الواضحة، والعبارات المؤثرة، والأمثلة القريبة من واقع الجمهور، يسهم في زيادة قابلية الرسالة للإقناع، وثامنًا، المقارنة، فتعرض وسائل الإعلام مقارنة بين حالتين أو منتجين أو فكرتين لإظهارمزايا أحدهما وإقناع الجمهور بتفضيله، أما التاسع، عرض القدوة والنماذج الناجحة، وذلك لإبراز شخصيات ناجحة أو تجارب ملهمة يشجع الجمهور على تبني السلوك أو الفكرة المطروحة، وعاشرًا، مخاطبة احتياجات الجمهور، لتكون الرسالة أكثر إقناعًا عندما ترتبط باحتياجات المتلقي مثل الأمن، والصحة، والنجاح، والانتماء، والاستقرار الاقتصادي، والحادي عشر، المصداقية والشفافية، فكلما التزمت الوسيلة الإعلامية بالدقة والحياد والصدق، زادت قدرتها على كسب ثقة الجمهور وإقناعه على المدى القصير والطويل، فيما الثاني عشر، التفاعل مع الجمهور، لإتاحة وسائل الإعلام الرقمية الحوار المباشر والتعليقات والاستطلاعات، مما يعزز مشاركة الجمهور ويزيد من اقتناعه عندما يشعر بأن رأيه مسموع، وتؤكد نظريات الاتصال، ومنها نظرية المصداقية ونظرية الاستخدامات والإشباعات ونظرية التأطير الإعلامي، ونظرية التأثير ونظرية الأقناع، أن نجاح الإقناع لا يعتمد على الرسالة وحدها، بل يتأثر أيضًا بمصدر الرسالة، وخصائص الجمهور، والسياق الاجتماعي والثقافي، وطريقة عرض المحتوى، وفي العصر الرقمي أصبحت وسائل الإقناع أكثر تطورًا، مستفيدة من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والخوارزميات التي تساعد على توجيه الرسائل إلى الفئات الأكثر قابلية للتأثر، وهو ما يضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية في الالتزام بالمهنية والأخلاق، حتى يبقى الإقناع وسيلة لبناء الوعي وخدمة المجتمع، لا أداة للتضليل أو التلاعب بالرأي العام.
وهنا سأحاول ترسيخ ثلاثة نقاط هامة كخلاصة لما سبق، كما يُعد التكرار من أكثر وسائل الإقناع تأثيرًا في الإعلام، إذ يؤدي تكرار الرسالة أو الشعار أو الصورة إلى زيادة ألفة الجمهور معها، وهو ما يعرف في علم النفس بـ» تأثير التعرض المتكرر»، حيث يصبح الأفراد أكثر ميلًا لتصديق أو تفضيل الرسائل التي يتعرضون لها باستمرار، حتى دون زيادة كمية المعلومات، وقد أثبتت دراسات علم النفس والإعلام أن التكرار يسهم في ترسيخ المعلومات داخل الذاكرة طويلة المدى، ولذلك تعتمد الحملات الانتخابية والإعلانية وحملات التوعية على إعادة الرسائل بصيغ متعددة وعلى فترات زمنية مختلفة.
وتشير أبحاث التسويق إلى أن المستهلك قد يحتاج إلى التعرض للرسالة عدة مرات قبل اتخاذ قرار الشراء أو تغيير السلوك، بينما تؤكد دراسات الاتصال أن التكرار يكون أكثر فاعلية عندما يقترن بتنوع في أسلوب العرض وليس مجرد إعادة حرفية للمحتوى، يعني التنوع تقديم الرسالة نفسها بأشكال مختلفة، مثل الفيديو، والصورة، والإنفوغراف، والمقال، والمقابلة، والبودكاست، والمنصات الرقمية، ويهدف هذا الأسلوب إلى تجنب الملل، والوصول إلى شرائح متعددة من الجمهور تختلف في أعمارها واهتماماتها وأنماط استهلاكها للإعلام، وتؤكد دراسات الاتصال أن دمج أكثر من عنصر إقناعي داخل الرسالة، مثل الأدلة، والعاطفة والورة، والمصدر الموثوق، يحقق تأثيرًا أكبر من الاعتماد على عنصر واحد فقط، كما أظهرت دراسة حديثة اعتمدت على تحليل نحو 1.8 مليون منشور صحي في وسائل التواصل الاجتماعي أن الرسائل التي تجمع عدة عناصر إقناعية تحقق تفاعلًا وانتشارًا أعلى من الرسائل أحادية الأسلوب، فيما يعتمد أسلوب التخويف على إبراز حجم الخطر والعواقب المحتملة إذا لم يلتزم الجمهور بالسلوك المطلوب، ويستخدم بكثرة في حملات مكافحة التدخين، والسلامة المرورية، والوقاية من الأمراض، والأمن السيبراني، وتوصلت واحدة من أكبر الدراسات التجميعية في هذا المجال إلى تحليل 127 دراسة علمية، شملت 248 عينة مستقلة بإجمالي 27.372 مشاركًا، وأثبتت أن رسائل التخويف تحقق تأثيرًا إيجابيًا في تغيير الاتجاهات والسلوك عندما تقترن بحلول واضحة وإجراءات عملية يمكن للجمهور تنفيذها، ويكون مصدر ذلك مؤسسة إعلامية رزينة وذات مصداقية، وتعتمد على جهات ذات موثوقية، بينما قد تؤدي الرسائل التي تثير الخوف دون تقديم حلول إلى التجاهل أو المقاومة النفسية، كما بينت المراجعات العلمية أن التخويف يكون أكثر تأثيرًا عندما يوضح للمتلقي ثلاثة أمور، وهي حجم الخطر، واحتمال تعرضه له، وقدرته على تجنب هذا الخطر باتباع السلوك المطلوب، لذلك تعتمد وزارات الصحة، وأجهزة الدفاع المدني، والجهات الأمنية في مختلف دول العالم على هذا الأسلوب عند تصميم حملات التوعية المرتبطة بحماية الأرواح والممتلكات.
البناء النفسي للفرد إعلاميًا
يُقصد بالبناء النفسي للفرد إعلاميًا العملية التي تُسهم من خلالها وسائل الإعلام في تشكيل شخصية الإنسان واتجاهاته وقيمه ومعتقداته واستجاباته الانفعالية والسلوكية عبر التعرض المستمر للمحتوى الإعلامي، فالإعلام لا يقتصر على نقل الأخبار والمعلومات، بل يشارك في تكوين الصورة الذهنية للعالم، وصياغة المفاهيم، وتحديد ما يراه الفرد مهمًا أو غير مهم، وما يعتبره مقبولًا أو مرفوضًا، وتؤكد البحوث أن الإنسان يتعرض يوميًا لكم هائل من الرسائل الإعلامية، مما يجعل الإعلام أحد أبرز العوامل المؤثرة في البناء النفسي، إلى جانب الأسرة والمدرسة والأقران، وتشير تقديرات حديثة إلى أن الفرد يقضي في المتوسط أكثر من 6 ساعات يوميًا في استخدام الإنترنت، بينما يتجاوز متوسط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عالميًا ساعتين و20 دقيقة يوميًا، وهو ما يزيد من فرص التأثير المستمر في الاتجاهات والمشاعر والسلوك، «المصدرـ تقرير الرقمي العالمي 2025 ، الصادر عن وي آر سوشال وميلت ووتر»، ويرى علماء النفس أن التعرض المتكرر للمضامين الإعلامية يؤدي إلى تكوين أنماط معرفية وانفعالية مستقرة، وهو ما يفسر قدرة الإعلام على تعزيز الثقة أو إثارة القلق، وبناء التفاؤل أو نشر الخوف، وترسيخ الانتماء أو تغذية الاستقطاب، وقد أوضحت نظرية الغرس الثقافي أن التعرض الطويل للمحتوى الإعلامي يجعل الأفراد يميلون إلى إدراك الواقع كما تعرضه وسائل الإعلام، حتى وإن اختلف عن الواقع الفعلي، كما تؤكد الدراسات أن المحتوى الإيجابي يسهم في تعزيز الأمل، والانتماء، والثقة، والسلوك المجتمعي، بينما يؤدي التعرض المكثف للمحتوى العنيف أو المضلل أو المثير للخوف إلى زيادة مستويات القلق والتوتر، وإضعاف الإحساس بالأمان لدى بعض الفئات، خاصة الأطفال والمراهقين، ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية في بناء الإنسان نفسيًا من خلال إنتاج محتوى مهني يعزز التفكير النقدي، والوعي، والقيم الوطنية، والتماسك الاجتماعي، ويوازن بين سرعة نقل الأحداث والمحافظة على الصحة النفسية للجمهور، فالإعلام المسؤول لا يصنع الخبر فقط، بل يسهم في صناعة إنسان أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وأكثر استعدادًا للتعامل مع الأزمات بثقة واتزان.
استمالات التهديد والتخويف كسلوك إقناعي في الإعلام
تُعد استمالات التهديد والتخويف من أبرز الاستمالات الإقناعية في الإعلام، إذ تعتمد على إثارة شعور المتلقي بوجود خطر حقيقي أو محتمل، بهدف دفعه إلى تبني سلوك وقائي أو تغيير موقفه تجاه قضية معينة، ويُستخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع في حملات الصحة العامة، والسلامة المرورية، ومكافحة التدخين والمخدرات، والأمن السيبراني، والدفاع المدني، ويرتكز هذا الأسلوب على مبدأ نفسي مفاده أن الإنسان يكون أكثر استعدادًا لتغيير سلوكه عندما يقتنع بثلاثة عناصر، أن الخطر شديد، وأن احتمال تعرضه لهذا الخطر مرتفع، وأن السلوك المطلوب قادر على تقليل هذا الخطر أو منعه، لذلك فإن رسائل التخويف الفعالة لا تكتفي بإثارة الخوف، بل تقدم حلولًا واضحة وعملية قابلة للتنفيذ، وأثبتت إحدى أكبر المراجعات العلمية في هذا المجال، المنشورة في مجلة النشرة النفسية عام 2015، أن استمالات التخويف تؤثر إيجابيًا في الاتجاهات والنوايا والسلوكيات، وشملت الدراسة 127 بحثًا علميًا، و248 عينة مستقلة، بإجمالي 27.372 مشاركًا، وخلصت إلى أن تأثير رسائل التخويف يزداد عندما تقترن ببيان فعالية الحلول وإمكانية تطبيقها، ولا توجد أدلة عامة على أنها تؤدي بطبيعتها إلى نتائج عكسية إذا صُممت وفق الأسس العلمية، وتفسر نظرية الدافعية للحماية هذا التأثير من خلال مرحلتين، تقييم حجم التهديد واحتمال وقوعه، ثم تقييم قدرة الفرد وفاعلية السلوك المقترح على مواجهة هذا التهديد، وعندما يقتنع المتلقي بجدوى الحل وإمكان تطبيقه، ترتفع احتمالات استجابته للرسالة الإقناعية، ورغم فاعلية هذا الأسلوب، فإن الإفراط في استخدامه أو المبالغة في تصوير المخاطر قد يؤدي إلى آثار سلبية، مثل القلق، أو التجنب، أو فقدان الثقة بالرسالة الإعلامية، خاصة إذا افتقرت إلى المصداقية أو خلت من حلول عملية، ولذلك توصي الأدبيات العلمية بأن يُستخدم التخويف باعتدال، وأن يستند إلى حقائق موثقة، وأن يكون هدفه تعزيز الوعي والسلوك الوقائي، لا إثارة الذعر أو التلاعب بمشاعر الجمهور، وضرورة وأهمية كتابة النصوص بإحترافية للوصف والتحليل وفي تغطية الأخبار وكتابة المقالات والنصوص المقروءة في البرامج البصرية في التلفزيون أو السوشيال ميديا التابعة لقنوات رسمية، حيث أن التخصص أمر مهم للغاية وضروري لايمكن العبث به في مخاطبة المجتمعات والجماهير، وأهمية الخبرات العالية أو التأهيل العالي في أنهم معنيين بالدرجةالأولى في إنتاج نص متقن، يراعي كل ماسبق ذكره.
أخيراً:
لا ترتفع كفاءة المؤسسة الإعلامية المهنية بهواة، بل بخبرات عالية المستوى، وقيادات ذات كفاءة عالية، لتتمكن من التأثير والإقناع، في زمن السرعة وأهمية الرسائل الإعلامية في المجتمعات، فالمتابع للمحتوى الرسمي وغيره لا يوجد لديه الوقت الكافي ولن يصدق إلا ما يقنعه ويؤثر به، ولكي نقنعه بالحقيقة ونؤثر فيه بالحقيقة أيضاُ كقنوات ووسائل إعلام محترفة لابد أن نطور ادواتنا ومهاراتنا والتي تتناسب مع العصر من ناحية تقنية وإيضاً فكرية ورسائل متقنة للغاية، أو أن الرسائل الأخرى المليئة بالتضليل والكذب والتشويه المقصود، والإشاعات سيكون لها الغلبة لأنك في عصر السرعة والتقنية والمهارة والتخصصية التي تقاوم العشوائية.
***
- دكتوراه صحافة وإعلام