د. غالب محمد طه
هل يستطيع أي علم أن يرى واقعاً لم تُصنع أسئلته من أجله؟
هذا سؤال يبدو فلسفياً، لكنه عملي جداً. كل يوم، في كليات الإعلام، ندرّس نظريات عمرها نصف قرن، ونطبقها على ظواهر لم تكن موجودة حين صيغت. ولا نتوقف كثيراً عند هذا التناقض. ربما لأن التوقف يعني أن نعترف بأن جزءاً من الأدوات التي نستخدمها قد لا تكون صالحة للغرض الذي نستخدمها من أجله.
في علم الإعلام، كما في غيره، نادراً ما يسأل الباحث هذا السؤال. لأنه مشغول. مشغول بتطبيق النظريات، وتعديل الفروض، وجمع البيانات. والجامعة مشغولة بتدريس المناهج، والطلاب مشغولون بالنجاح في الامتحانات. في هذا الزحام، يمر السؤال دون أن يلتفت إليه أحد. لكنه يظل هناك. ينتظر لحظة لا مفر منها: لحظة يعجز فيها العلم عن تفسير ظاهرة جديدة. لحظة يدرك فيها الباحث أن أدواته لا تكفي.
هذه اللحظة ليست فشلاً، بل هي فرصة. لأن كل علم يكتشف حدوده عندما يواجه ظواهر لا تستوعبها لغته. وعندها يبدأ السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الواقع الجديد، أم في الأسئلة القديمة التي لا تزال توجّه نظرنا؟
هنا مربط الفرس. فنحن لا نرى الواقع مباشرة. نراه من خلال أسئلتنا. الأسئلة ليست مجرد مدخل إلى المعرفة، بل هي عدسات. تغيير السؤال ليس مجرد تعديل في المنهج؛ إنه إعادة بناء لطريقة النظر إلى العالم. ولهذا السبب، يكون تغيير السؤال أصعب بكثير من تعديل الإجابة.
لماذا؟
لأن الأسئلة ليست أدوات مؤقتة. إنها جزء من هوية العلم نفسه، ومن مناهجه. ومؤسساته. وتقاليده التعليمية. عندما تتغير الأسئلة، يتغير كل شيء. وهذا مرعب. لذلك، عندما تظهر ظواهر جديدة، لا يكون رد فعل العلم هو تغيير أسئلته، بل توسيع نظرياته. نضيف متغيرات. نعدل فروضاً. نوسع تعريفات. حتى تتحول النظرية إلى إطار واسع يستوعب كل شيء، لكنه لم يعد يفسر شيئاً بالدقة نفسها. وعندما تصبح النظرية قادرة على تفسير كل شيء، فإنها غالباً لم تعد تفسر أي شيء.
في علم الإعلام، حدث هذا مراراً. نظريات مثل «حارس البوابة» و»وضع الأجندة» و»دوامة الصمت» كانت أدوات فاعلة في زمنها. لأنها صيغت لقراءة عالم كان المشهد فيه أكثر وضوحاً. كانت المؤسسات محددة. والمصادر معروفة. والجمهور متلقياً. ومسار الرسالة يمكن تتبعه من المرسل إلى المستقبل. في ذلك العالم، كان السؤال: من يختار ما يراه الجمهور؟ وكانت الإجابة: المحررون والمراسلون. والسؤال: من يحدد ما هو مهم؟ وكانت الإجابة: المؤسسات الإعلامية الكبرى.
هذه الأسئلة كانت مناسبة لذلك العالم، لأنها ولدت منه، وصيغت لقراءته. لم تكن النظريات خاطئة. لكنها كانت ابنة عصرها. والمشكلة تبدأ عندما ننسى هذا.
ننسى أن هذه الأسئلة كانت ابنة عصرها. وعندما نستخدمها لقراءة عالم مختلف، تصبح عدسات معتمة بدلاً من أن تكون أدوات رؤية.
ففي العالم الذي نعيشه اليوم، لم يعد المشهد الإعلامي بهذه البساطة. الخبر قد يبدأ من فرد، ثم تعيده الخوارزمية إلى ملايين المستخدمين، ثم تتلقفه المؤسسات، ثم يعاد إنتاجه عبر آلاف الحسابات. في هذه الدورة، من هو المرسل؟ ومن هو المستقبل؟ وأين تبدأ الرسالة وأين تنتهي؟ ليست المشكلة أن الإجابة صعبة، بل أن السؤال نفسه لم يعد يشبه الأسئلة التي بُني عليها علم الإعلام.
كيف يمكن لنظرية «حارس البوابة» أن تفسر قرار خوارزمية بتوصية محتوى معين لمستخدم معين في لحظة معينة؟ وكيف يمكن لنظرية «وضع الأجندة» أن تصف واقعاً تتنافس فيه آلاف الأصوات على تحديد أولويات الجمهور؟ وكيف يمكن لنظرية «دوامة الصمت» أن تتنبأ بسلوك الأفراد في فضاءات رقمية لا تخضع لضغوط الجماعة بالطريقة نفسها؟
هذه الأسئلة لا تعني أن النظريات خاطئة. لكنها تعني أنها لم تعد كافية.
وهذا يفسر ظاهرة لافتة: لماذا استعان الإعلام بعلوم أخرى؟ علم النفس يفسر الانتباه والإدمان الرقمي. وعلوم البيانات تكشف أنماط الانتشار والتفاعل. والاقتصاد السلوكي يشرح قرارات المشاركة. والذكاء الاصطناعي أصبح فاعلاً في إنتاج المحتوى وتوزيعه. هذه الاستعانة ليست ضعفاً، بل هي مؤشر على أن الظاهرة تجاوزت حدود علم واحد. الإعلام اليوم لم يعد مجرد عملية اتصال. أصبح تداخلاً معقداً بين التكنولوجيا وعلم النفس والاقتصاد والسياسة. وأي علم يحاول فهمه وحده سيكون ناقصاً.
لكن هذا يطرح سؤالاً: ما الذي يبقى لعلم الإعلام؟
ربما يكون الجواب في نقطة التقاء هذه العلوم. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد سلوك فردي يمكن لعلم النفس تفسيره، ولا مجرد بيانات يمكن لعلوم البيانات تحليلها، ولا مجرد تفاعلات اقتصادية يمكن للاقتصاد السلوكي فهمها. الإعلام هو كل هذه الأشياء معاً، في لحظة واحدة. وعلم الإعلام هو الذي يجمع هذه الأجزاء في صورة واحدة. ليس لأنه يملك أدوات أفضل، بل لأنه يملك سؤالاً لا تملكه العلوم الأخرى: كيف تتحول كل هذه الأجزاء إلى عملية اجتماعية واحدة؟
لكن حتى ينجح في ذلك، لا يكفي أن يطور نظرياته. عليه أولاً أن يراجع اللغة التي يصوغ بها أسئلته.
لأن الأسئلة هي التي تحدد ما يمكن رؤيته. وعندما تصبح الأسئلة أقدم من الواقع، يصبح العلم أقل قدرة على رؤية ما يحدث حوله.
في النهاية، لا تكمن أزمة علم الإعلام في عجزه عن تفسير الظواهر الجديدة. بل في صعوبة الاعتراف بأن بعض أسئلته الأساسية قد تجاوزها الزمن.
وإن كان هناك ما يقلقني أكثر من ذلك، فهو أن هذا الاعتراف، عندما يأتي، يأتي متأخراً جداً.