د. عبود مصطفى عبود
ليس السؤال اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم، فقد تجاوزت البشرية هذه المرحلة منذ سنوات، وأصبح السؤال الأكثر أهمية: من ستكون له القدرة على توظيف هذه التكنولوجيا في إعادة تشكيل الاقتصاد والإدارة والتعليم والصحة والأمن، ومن سيكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون؟
في العقود السابقة، كانت الثروة الطبيعية هي العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مكانة الدول. ثم جاءت الثورة الرقمية لتجعل المعرفة والبيانات والبنية التحتية الرقمية عناصر لا تقل أهمية عن النفط والغاز والمعادن. واليوم، مع التسارع غير المسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتشكل معيار جديد للقوة الدولية، لا يقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد السكان، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتطوير النماذج، وإدارة البيانات، وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع: هل تستطيع المملكة العربية السعودية أن تتحول خلال العقد المقبل إلى العاصمة العربية للذكاء الاصطناعي؟ والإجابة ليست نعم أو لا، بل تعتمد على مجموعة من الشروط الموضوعية التي إذا اكتملت، فإن المملكة تمتلك بالفعل فرصة استثنائية لقيادة المشهد العربي، وأن تصبح أحد اللاعبين المؤثرين عالميًا في هذا المجال.
تمتلك المملكة اليوم عددًا من المقومات التي يصعب اجتماعها في كثير من الدول. فهي تملك اقتصادًا كبيرًا، واستقرارًا سياسيًا، وقدرة استثمارية مرتفعة، وبنية تحتية رقمية تتطور بوتيرة متسارعة، فضلًا عن مشروع وطني واضح لتحديث الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل. غير أن هذه المقومات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة الريادة في الذكاء الاصطناعي، لأن التكنولوجيا لا تنمو في الفراغ، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والبحث العلمي والتمويل والتشريعات والقطاع الخاص والثقافة المؤسسية.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في هذا المجال لم تصل إليه عبر شراء التقنيات، وإنما عبر بناء بيئة معرفية قادرة على إنتاجها وتطويرها. فالولايات المتحدة لم تتصدر العالم لأنها تمتلك أكبر شركات التكنولوجيا فحسب، بل لأنها تمتلك أيضًا أفضل الجامعات البحثية، وأقوى منظومة لرأس المال الجريء، وأوسع سوق للابتكار، وأعلى قدرة على تحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات تجارية. كما أن الصين لم تحقق تقدمها السريع اعتمادًا على الاستثمارات الحكومية وحدها، بل بنت منظومة متكاملة تشمل البيانات، والحوسبة، والتعليم، والصناعة، والشركات الناشئة، والتشريعات، والتطبيقات واسعة النطاق.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي أمام المملكة ليس: كم مليار دولار يمكن استثماره في الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف يمكن بناء منظومة وطنية تجعل الابتكار عملية مستمرة لا مشروعًا مؤقتًا؟
أول عناصر هذه المنظومة هو الإنسان. فالتكنولوجيا في جوهرها نتاج للعقول قبل أن تكون نتاجًا للأجهزة. ولن يكون بالإمكان تحقيق ريادة مستدامة إذا ظل الاعتماد الأكبر على الخبرات المستوردة. إن استقطاب الكفاءات العالمية خطوة ضرورية، لكنه لا يغني عن بناء قاعدة واسعة من الباحثين والمهندسين ورواد الأعمال السعوديين القادرين على تطوير التقنيات لا مجرد استخدامها.
ويتطلب ذلك مراجعة مستمرة للمناهج التعليمية، وربط الجامعات باحتياجات الاقتصاد، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتشجيع الدراسات متعددة التخصصات التي تجمع بين علوم الحاسب والرياضيات والطب والهندسة والاقتصاد والقانون. فالذكاء الاصطناعي لم يعد تخصصًا منفصلًا، بل أصبح أداة تعيد تشكيل معظم العلوم والمهن.
أما العنصر الثاني، فهو البيانات. فالنماذج الذكية لا تتعلم من الفراغ، وإنما تعتمد على بيانات واسعة وعالية الجودة. وكلما كانت البيانات منظمة وآمنة وقابلة للاستخدام وفق ضوابط قانونية واضحة، ازدادت قدرة الدولة على تطوير تطبيقات أكثر دقة وكفاءة. ومن هنا، فإن بناء بنية متقدمة لحوكمة البيانات يمثل أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية في السنوات المقبلة، لأنه يؤسس لاقتصاد رقمي قادر على الابتكار دون التفريط في الخصوصية أو الأمن السيبراني.
العنصر الثالث يتعلق بالحوسبة. فقد أصبحت القدرة على الوصول إلى بنية تحتية متقدمة للحوسبة عالية الأداء شرطًا أساسيًا لتطوير النماذج الكبيرة وتدريبها. ولا يكفي امتلاك مراكز بيانات حديثة، بل ينبغي أن تكون هناك استراتيجية وطنية تضمن توافر القدرات الحاسوبية للجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات الناشئة، بحيث لا يصبح الابتكار حكرًا على المؤسسات الكبرى.
ولا يقل الجانب التشريعي أهمية عن الجوانب التقنية. فكلما كانت القواعد القانونية واضحة ومتوازنة، ازداد إقبال المستثمرين ورواد الأعمال على تطوير حلول جديدة. والمطلوب هنا ليس الإفراط في التنظيم ولا ترك المجال بلا ضوابط، وإنما إيجاد توازن يحمي الحقوق، ويعزز الثقة، ويتيح في الوقت نفسه مساحة كافية للتجريب والابتكار. فالتشريع الجيد لا يعرقل التكنولوجيا، بل يمنحها بيئة مستقرة للنمو.
ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا خاصًا العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وسوق العمل. فالخطاب الذي يصور هذه التكنولوجيا باعتبارها خصمًا للإنسان يتجاهل جانبًا مهمًا من التجربة التاريخية. فقد أثبتت الثورات الصناعية السابقة أن التكنولوجيا تلغي بعض الوظائف بالفعل، لكنها في المقابل تخلق وظائف جديدة، وتزيد الطلب على مهارات مختلفة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في مقاومة التغيير، وإنما في إدارة التحول من خلال برامج واسعة لإعادة التأهيل المهني، والتعلم المستمر، وتطوير المهارات الرقمية، بما يضمن انتقال القوى العاملة إلى الاقتصاد الجديد بأقل تكلفة اجتماعية ممكنة.
ويبقى عنصر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وهو بناء ثقافة الابتكار. فالريادة لا تُقاس بعدد المؤتمرات أو المبادرات، وإنما بقدرة المجتمع على تحويل الأفكار إلى شركات، وتحويل الأبحاث إلى منتجات، وتحويل المخاطرة المحسوبة إلى قيمة اقتصادية. وهذه الثقافة لا تُفرض بقرار إداري، بل تنمو عبر التعليم، والإعلام، والتمويل، ووجود نماذج ناجحة تلهم الأجيال الجديدة.
إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتصبح المركز العربي الأول في الذكاء الاصطناعي، وربما أحد المراكز المؤثرة عالميًا، لكن تحقيق هذا الهدف لن يعتمد على حجم الاستثمارات وحده، بل على بناء منظومة متماسكة تجعل الإنسان محور التنمية، والبحث العلمي محرك الابتكار، والتشريع ضامنًا للثقة، والقطاع الخاص شريكًا في الإنتاج، والجامعات مصانع للمعرفة، والبيانات موردًا استراتيجيًا، والحوسبة بنية تحتية وطنية لا تقل أهمية عن الطرق والموانئ والطاقة.
إن الدول التي ستقود العالم خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين لن تكون بالضرورة الأكثر سكانًا أو الأغنى بالموارد الطبيعية، بل تلك التي تنجح في تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية، والابتكار إلى سياسة عامة، والذكاء الاصطناعي إلى رافعة للتنمية الشاملة. وإذا استطاعت المملكة أن تحافظ على هذا المسار، وأن تواصل الاستثمار في الإنسان قبل التقنية، وفي المؤسسات قبل الأدوات، فإن الحديث عن الرياض بوصفها العاصمة العربية للذكاء الاصطناعي لن يكون شعارًا سياسيًا، بل وصفًا لواقع صنعته رؤية بعيدة المدى، وعمل مؤسسي متراكم، وإيمان بأن مستقبل الأمم يبدأ من قدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها.