عمشاء الشلوي
تُعقد الاجتماعات، وتتخذ القرارات، وتُصاغ السياسات في المنشآت المختلفة. يعتقد الكثيرون أن توقيع المسؤول على الوثيقة ثم الإعلان عنها، هي النهاية لعمل شاق. لكن في الحقيقة هذه اللحظة في رحلة المصير، هي بداية جديدة، «رحلة القرار الأخيرة» ليست مساراً مكتوباً يتم نقله من مكتب لآخر.
هذه الرحلة تبدأ بسجل مكتوب وتنتهي بكائن حي يُلمس في تفاصيل حياة المواطن. وتتداخل في مساراتها السياسات العامة، وتُشغل الحوكمة بوصلة التنفيذ، ليكون الأثر الدليل على نجاح الرحلة أو فشلها.
تبدأ رحلة القرار من رحم «السياسات العامة»، وهي المرحلة التي يتم فيها رصد المشكلة أو الاحتياج المجتمعي بدقة، السياسة العامة الناجحة لا تُبنى على ردود الأفعال العاطفية أو الحلول المؤقتة، بل تتأسس على بيانات دقيقة، تشخيص سليم، ورؤية استشرافية تأخذ في الاعتبار كافة المتغيرات، عندما يتم اعتماد قرار ما، فإنه يحمل في طياته تصميماً لواقع جديد يطمح صناع القرار للوصول إليه.
لكن الاعتماد وحده لا يصنع تغييراً فالتاريخ الإداري مليء بقرارات طموحة وسياسات مبتكرة ظلت حبيسة الأدراج أو تعثرت في أولى خطواتها التنفيذية لأنها افتقرت إلى الواقعية، يبرز التحدي الأول في رحلة القرار، تحويل النص المكتوب إلى خطة عمل قابلة للتطبيق، يتطلب ذلك إشراك أصحاب المصلحة والمجتمع في صياغة هذه السياسات، لضمان أن خريطة الطريق تتوافق مع التضاريس الحقيقية للمجتمع.(عبد القادر، 2022).
الحوكمة: حارس الرحلة وضابط الإيقاع
ما إن يغادر القرار محطة الاعتماد المريحة، حتى يدخل في بحر التنفيذ المتلاطم. هنا يأتي دور «الحوكمة» لتكون السفينة التي تحمي القرار من الغرق في روتين البيروقراطية، أو الانحراف عن أهدافه الأصلية، الحوكمة ليست مجرد مصطلح إداري معقد لتزيين التقارير، بل هي الإطار العملي الذي يضمن الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون.
عن طريق الحوكمة الرشيدة، يتم تحديد المسؤوليات بوضوح قاطع مَن ينفذ؟ كيف ينفذ؟ وما هي الموارد المتاحة؟ تمنع الحوكمة تضارب المصالح، وتضمن تضافر الجهود وتكاملها بين مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
الأهم من ذلك، أن الحوكمة توفر المرونة المؤسسية، فهي تضع أنظمة إنذار مبكر تتيح لصناع القرار رصد أي انحراف في مسار التنفيذ وتصحيحه فوراً، بدون حوكمة صارمة، قد يفقد القرار بوصلته، وتتبدد الموارد المادية والبشرية في مسارات خاطئة، مما يؤدي إلى تنفيذ مشوه لا يعكس النوايا الحسنة التي بُنيت عليها السياسة العامة.(محمد، 2020).
الأثر الحقيقي الوجهة النهائية
لا تنتهي رحلة القرار عند إتمام عمليات التنفيذ، بل تبلغ غايتها الحقيقية عند قياس «الأثر». في عالم الإدارة الحديثة، هناك التزام بالتفريق بين المخرجات (Outputs) والأثر (Impact).
المخرجات هي النتائج المباشرة للمشروع (مثل: بناء 50 مستشفى جديداً).
الأثر هو التغيير الجذري والمستدام في حياة الناس (مثل: انخفاض معدلات الوفيات، وارتفاع متوسط العمر، وتحسن جودة الرعاية الصحية).
القرار الناجح هو الذي يكمل رحلته متجاوزاً فخ الاكتفاء بالمخرجات، ليصل إلى محطة الأثر الحقيقي. يتطلب قياس هذا الأثر أدوات تقييم مستمرة، وتغذية راجعة شفافة من المستفيدين النهائيين. هل عالج القرار جذور المشكلة؟ هل أسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية أو التنمية الاقتصادية المرجوة؟ إن الوصول إلى هذه الإجابات الإيجابية يثبت أن القرار كان حياً؛ تنفس من خلال سياسات عامة سليمة، وتحرك بمرونة وانضباط عبر آليات الحوكمة، ليستقر أخيراً كواقع ملموس ومستدام.
***
المراجع:
1 - عبدالقادر عبدالعالي، 2020، السياسات العامة والحوكمة: مقاربة نظرية في قياس الأثر، مجلة دراسات وأبحاث (متاحة إلكترونياً عبر البوابة الجزائرية للمجلات العلمية ASJP).
2 - محمد محمود النور، 2022، الحوكمة الرشيدة وأثرها في نجاح السياسات العامة: دراسة تحليلية، المجلة العربية للعلوم الإدارية (منشورة إلكترونياً عبر مجلس النشر العلمي- جامعة الكويت).