د.عبدالله الفايز
شهد العالم خلال الأشهر الأخيرة موجات حر غير مسبوقة، تجاوزت في بعض الدول الأوروبية درجات حرارة لم تكن مألوفة تاريخيًا، حتى دفعت دولًا مثل فرنسا وإسبانيا إلى اتخاذ إجراءات للحد من ساعات العمل عندما تقترب درجات الحرارة من أربعين درجة مئوية حفاظًا على صحة العاملين وسلامتهم.
ويرى كثير من علماء المناخ أن مثل هذه الظواهر قد تصبح أكثر تكرارًا نتيجة التغير المناخي، مما يثير تساؤلات تتجاوز الآثار الصحية والبيئية لتصل إلى تأثيرها في الاقتصاد والإنتاجية وحتى التطور الفكري للمجتمعات. هذه الفكرة تستحق الطرح الذي أبحثه، بل إنها أصبحت موضوعًا متزايدًا في أبحاث الاقتصاد، وعلم النفس، وطب العمل، وتغير المناخ. لكن الجزم بأن موجات الحر ستؤدي حتمًا إلى تراجع التقدم الفكري للدول، لم يثبت علميًا بشكل مباشر. ما يمكن قوله هو أن هناك أدلة متزايدة على أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر في الأداء المعرفي والإنتاجية والقدرة على اتخاذ القرار والإبداع، وقد ينعكس ذلك إذا استمر لفترات طويلة على الأداء الاقتصادي والعلمي للمجتمعات.
من وجهة نظري، فإن السؤال الذي يستحق الدراسة هو: إذا استمرت موجات الحر الشديدة سنوات طويلة، فهل يمكن أن تؤثر تدريجيًا في القدرة الإنتاجية والإبداعية للدول؟ وهل يمكن أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى ضغوط نفسية وفسيولوجية تنعكس على التفكير والابتكار واتخاذ القرار؟
تشير العديد من الدراسات إلى أن الإجهاد الحراري لا يؤثر فقط في القدرة البدنية، بل يمتد أيضًا إلى الوظائف الإدراكية. فعندما ترتفع حرارة الجسم، يزداد العبء الواقع على الجهاز العصبي للحفاظ على الاتزان الحراري، مما قد يؤدي إلى انخفاض التركيز، وتباطؤ سرعة الاستجابة، وضعف الذاكرة قصيرة المدى، وتراجع القدرة على حل المشكلات المعقدة. كما أظهرت أبحاث في علم النفس المعرفي أن التعرض المستمر للحرارة المرتفعة قد يقلل من الكفاءة الذهنية، خاصة عند أداء المهام التي تتطلب تفكيرًا تحليليًا أو إبداعيًا (Park et al., 2020؛ Cede?o-Laurent et al., 2018).. ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى الاقتصاد بأكمله. فقد توصلت دراسات اقتصادية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمال، وزيادة الإرهاق، وارتفاع معدلات الأخطاء، وتراجع ساعات العمل الفعلية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني أو في البيئات غير المكيفة. وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى فقدان ملايين ساعات العمل سنويًا، مع آثار اقتصادية كبيرة على النمو والإنتاج (ILO, 2019).. أما بالنسبة للإبداع والابتكار، فلا تزال الأدلة أقل حسمًا، إلا أن بعض الباحثين يرون أن انخفاض جودة النوم، والإجهاد الحراري، وزيادة الضغوط النفسية، جميعها عوامل قد تؤثر بصورة غير مباشرة في الإبداع والإنتاج العلمي. فالباحث أو المهندس أو الطبيب أو الطالب الذي يعمل في بيئة حارة أو يعاني من اضطرابات النوم قد يجد صعوبة أكبر في الحفاظ على مستويات عالية من التركيز والإنتاج الفكري مقارنة بمن يعمل في بيئة حرارية مريحة. ومن ناحية أخرى، فإن التقدم التقني قد يخفف كثيرًا من هذه الآثار. فالدول المتقدمة تمتلك بنية تحتية متطورة تشمل التكييف، والمباني الذكية، وأنظمة إدارة الطاقة، والعمل عن بُعد، والذكاء الاصطناعي، مما يقلل من تأثير الحرارة في الإنتاجية مقارنة بالدول الأقل تطورًا. ولذلك فإن تأثير موجات الحر قد لا يكون متساويًا بين جميع الدول، بل يعتمد على مستوى التكيف التكنولوجي، وكفاءة البنية التحتية، والقدرة الاقتصادية على حماية بيئات العمل.
يشهد العالم اليوم مرحلة جديدة من التغير المناخي تتجاوز كونها قضية بيئية لتصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في الاقتصاد والمجتمع ومستقبل الحضارة الإنسانية. فقد أصبحت موجات الحر أكثر شدة وأكثر تكرارًا، حتى في الدول التي كانت تعرف تاريخيًا باعتدال مناخها. وتشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إلى أن متوسط درجات الحرارة العالمية يستمر في الارتفاع، وأن الظواهر المناخية المتطرفة ستصبح جزءًا من الواقع الطبيعي خلال العقود القادمة (IPCC, 2023; WMO, 2024).). وقد بدأت الحكومات بالفعل في تعديل سياساتها. ففي عدد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان، أصبحت ساعات العمل خلال فترات الحر الشديد تخضع لإجراءات وقائية، كما أصدرت بعض الحكومات تعليمات بتقليل ساعات العمل أو إيقاف الأعمال الخارجية عند تجاوز درجات حرارة معينة حفاظًا على سلامة العاملين.
قد ينظر البعض إلى هذه الإجراءات باعتبارها استجابة صحية مؤقتة، إلا أنني أرى أنها قد تمثل بداية تحول اقتصادي وحضاري أعمق قد يعيد تشكيل أنماط العمل والإنتاج خلال العقود القادمة. ومن هنا يبرز سؤال لم يحظَ باهتمام كافٍ في الأدبيات العلمية: إذا أصبحت موجات الحر الشديدة تستمر أشهرًا من كل عام، فهل يمكن أن تؤثر تدريجيًا في القدرة الفكرية والإبداعية للمجتمعات، وليس فقط في إنتاجيتها الاقتصادية؟
إن الإنسان ليس آلة تعمل بالكفاءة نفسها في جميع الظروف البيئية. فالدماغ يستهلك نحو 20 % من طاقة الجسم، ويعتمد على نطاق حراري دقيق للحفاظ على كفاءته. وعندما ترتفع درجات الحرارة، يزداد العبء الفسيولوجي على الجسم للحفاظ على الاتزان الحراري، مما قد يؤدي إلى انخفاض التركيز، وضعف الذاكرة قصيرة المدى، وتراجع سرعة اتخاذ القرار، وارتفاع الإرهاق الذهني. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن الأداء المعرفي ينخفض تدريجيًا مع زيادة الإجهاد الحراري، خصوصًا في المهام التي تتطلب التفكير التحليلي والإبداعي وحل المشكلات المعقدة (Cede?o-Laurent et al., 2018; Park et al., 2020).. ولكن التأثير قد لا يقف عند حدود الفرد، بل قد يمتد إلى المجتمع بأكمله. فإذا انخفض متوسط الأداء الذهني لملايين العاملين والباحثين والمهندسين والأطباء والطلاب خلال عدة أشهر من كل عام، فقد تنخفض الإنتاجية العلمية، ويقل معدل الابتكار، وتتراجع سرعة الإنجاز، حتى وإن كان هذا الانخفاض محدودًا على مستوى الفرد. وعند جمع هذه الآثار عبر الاقتصاد الوطني، قد تصبح لها انعكاسات استراتيجية على القدرة التنافسية للدول.
من هذا المنطلق، يمكن تصور أن التغير المناخي لن يعيد توزيع الموارد الطبيعية فقط، بل ربما يعيد أيضًا توزيع الجغرافيا المعرفية العالمية. فقد تصبح بعض المناطق ذات المناخ المعتدل أكثر جذبًا للباحثين، وشركات التقنية، ومراكز الابتكار، بينما تضطر المناطق الأكثر حرارة إلى استثمارات ضخمة في التكييف والبنية التحتية الذكية للحفاظ على مستويات الإنتاجية نفسها. إلا أنني أعتقد أن العامل الحاسم لن يكون المناخ وحده، وإنما قدرة الدول على التكيف الذكي. وهنا تظهر أهمية نظرية التحضر الرقمي الذكي (Smart Digital Urbanism Theory - SDUT). فوفقًا لهذه النظرية، لا تقاس قوة الدولة بدرجات الحرارة التي تواجهها، بل بقدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتوائم الرقمية، والروبوتات، والتحليلات التنبؤية، لإدارة آثار المناخ والمحافظة على الأداء الاقتصادي والمعرفي. فالمدن الذكية المستقبلية لن تكتفي بإدارة المرور أو الخدمات البلدية، بل ستدير أيضًا الإجهاد الحراري الحضري. وستراقب ملايين الحساسات درجات الحرارة والرطوبة وجودة الهواء، بينما تحلل أنظمة الذكاء الاصطناعي البيانات بصورة لحظية لتعديل ساعات العمل، وإدارة الأحمال الكهربائية، وتشغيل أنظمة التبريد، وتوجيه السكان نحو المسارات الأقل حرارة، وتحسين استهلاك المياه والطاقة، وتوقع المخاطر الصحية قبل حدوثها. وسوف تعمل التوائم الرقمية للمدن على محاكاة تأثير موجات الحر قبل وقوعها، واختبار السيناريوهات المختلفة لتقليل آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
من وجهة نظري، فإن المنافسة بين الدول خلال العقود القادمة لن تكون فقط على الذكاء الاصطناعي أو الاقتصاد الرقمي، بل ستكون أيضًا على القدرة على حماية العقل البشري من آثار المناخ. فالدولة التي تستطيع المحافظة على تركيز علمائها، وإبداع مهندسيها، وكفاءة طلابها، وإنتاجية موظفيها رغم ارتفاع درجات الحرارة، ستكون أكثر قدرة على قيادة الاقتصاد العالمي. ومن هنا فإن المدن الذكية لن تكون مجرد مدن تستخدم التقنيات الرقمية، بل ستصبح مدنًا تحمي القدرات العقلية للإنسان، لأن الإنسان سيبقى العنصر الأكثر قيمة في أي حضارة ذكية.