حذامي محجوب
هناك فرق جوهري بين دولة تجعل من الحرب وسيلة لبناء النفوذ، ودولة تعتبر القوة ضمانة لحماية السلام لا بديلاً عنه، والمملكة العربية السعودية تنتمي بوضوح إلى النموذج الثاني، فمنذ تأسيسها لم تُعرف بسياسة الغزو أو تصدير الأزمات، بل ارتبط اسمها بمبادرات الوساطة، وجمع الفرقاء، وإخماد الحرائق السياسية، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي.
لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن السلام لا يعيش في فراغ، وأن الدول التي تنشد الأمن مطالبة، قبل غيرها، بامتلاك القدرة على الدفاع عنه، فلا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تقبل بأن تصبح أراضيها أو مدنها أو منشآتها الاقتصادية أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة، ثم يُطلب منها أن تكتفي بالصمت أو ببيانات الإدانة.
إن الدفاع عن الوطن ليس خيارا سياسياً يخضع للأمزجة، بل هو التزام قانوني وأخلاقي وسيادي.
لقد حسم القانون الدولي هذه المسألة منذ عقود. فالمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تنص بوضوح على أن لكل دولة الحق الطبيعي في الدفاع الفردي أو الجماعي عن نفسها إذا تعرضت لهجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، ولم يكن واضعو الميثاق يمنحون الدول امتيازا استثنائيا، وإنما كانوا يقرون بحق ملازم لوجود الدولة نفسها، فالدولة التي لا تستطيع حماية شعبها تفقد إحدى أهم وظائفها الأساسية.
ومن هنا، فإن أي اعتداء يستهدف الأراضي السعودية أو مواطنيها أو منشآتها الحيوية، بما فيها منشآت الطاقة التي تمثل شرياناً للاقتصاد العالمي، لا يمكن اختزاله في كونه حادثا أمنيا عابرا، بل هو اعتداء على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي العالمي.
لقد دفعت المملكة ثمنا باهظا نتيجة استهداف منشآت مدنية واقتصادية، وفي مقدمتها منشآت النفط، التي لم تكن يوما ملكا للسعوديين وحدهم من حيث تأثيرها الاقتصادي، بل تمثل عنصراً رئيسيا في استقرار أسواق الطاقة العالمية. وعندما تُستهدف هذه المنشآت، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى الرياض وحدها، بل إلى الاقتصاد الدولي بأسره.
ورغم ذلك، لم يكن الرد السعودي قائما على الانفعال أو الرغبة في الانتقام، بل ظل محكوما بمنهج سياسي يقوم على ضبط النفس، واحترام الشرعية الدولية، والسعي إلى تجنيب المنطقة دوامات التصعيد.
هذه السياسة ليست وليدة الضعف كما يحاول بعضهم تصويرها، وإنما هي ثمرة ثقة في النفس، وإدراك عميق بأن الحروب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي دائماً بإرادة من أشعلها.
لقد قدمت المملكة خلال العقود الماضية شواهد عديدة على أنها تفضّل التسويات السياسية على المواجهات العسكرية، سواء عبر دعم المبادرات العربية والإسلامية، أو عبر احتضان الحوارات الدولية، أو من خلال مساهمتها في تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاعات، كما طرحت مبادرات تاريخية، أبرزها مبادرة السلام العربية عام 2002، التي أصبحت إحدى أهم المرجعيات الدولية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، في دليل واضح على أن رؤية المملكة للأمن تقوم على صناعة السلام لا على إدارة الحروب.
غير أن السعي إلى السلام لا يعني التساهل مع الاعتداء.
فالسلام الذي لا تحرسه قوة رادعة يتحول إلى أمنيات جميلة سرعان ما تسقط أمام أول صاروخ أو أول طائرة مسيّرة.
ولهذا، فإن امتلاك المملكة جيشا محترفا، وقوات دفاع جوي متطورة، وقدرات عسكرية متنامية، ليس تعبيراً عن نزعة عسكرية، وإنما هو ممارسة طبيعية لحق سيادي تمارسه جميع الدول التي تحترم مسؤوليتها تجاه شعوبها.
لقد أثبتت القوات المسلحة السعودية، بمختلف تشكيلاتها، مستوى عالياً من الكفاءة والانضباط والجاهزية، ونجحت في إحباط عدد كبير من الهجمات التي استهدفت المدنيين والبنية التحتية، وهو ما يعكس احترافية مؤسسة عسكرية تدرك أن مهمتها الأولى ليست خوض الحروب، وإنما منعها وحماية الوطن إذا فُرضت عليه.
وفي الفكر الاستراتيجي الحديث، لا تقاس قوة الدول بعدد المعارك التي تخوضها، بل بقدرتها على منع خصومها من التفكير في الاعتداء عليها، فالردع ليس عدوانا، وإنما هو إحدى أهم أدوات حفظ السلم.
ومن يظن أن استهداف المنشآت الاقتصادية أو ترويع المدنيين يمكن أن يدفع المملكة إلى التراجع، يخطئ في قراءة طبيعة الدولة السعودية، فهذه دولة قامت على ترسيخ مؤسساتها، وتعزيز وحدتها الوطنية، وبناء اقتصاد متنوع، وتحديث قدراتها الدفاعية، وترسيخ مكانتها الدولية، والدول التي تمتلك هذه المقومات لا تُرهبها الميليشيات، ولا تُغيّر مسارها الصواريخ العابرة للحدود.
إن المملكة لا تدافع عن حدود جغرافية فحسب، بل تدافع عن أمن ملايين المواطنين والمقيمين، وعن استقرار أحد أهم الاقتصادات في العالم العربي والإسلامي، وعن سلامة الممرات الحيوية للطاقة والتجارة الدولية، ومن ثم فإن حماية أمنها الوطني ليست شأنا سعوديا خالصا، بل مصلحة إقليمية ودولية تتقاطع مع مصالح العالم بأسره.
لقد أثبتت القيادة السعودية أنها تجمع بين الحكمة والحزم، تمد يدها للحوار حين يكون الحوار ممكناً، لكنها لا تتردد في اتخاذ ما يلزم لحماية الوطن عندما يصبح الخطر واقعا، وهذه ليست مفارقة، بل هي جوهر السياسة الرشيدة، فالقوة والحكمة ليستا نقيضين، وإنما يكمل بعضهما الآخر.
قال الفيلسوف والسياسي الروماني شيشرون: «إن سلاماً عادلاً خير من حرب منتصرة.» غير أن العدالة نفسها لا يمكن أن تتحقق إذا تُرك المعتدي بلا رادع. وقال الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز: إن الدولة وجدت أساساً لتوفير الأمن، لأن الأمن هو الشرط الأول لقيام العمران واستمرار الحياة.
ولعل هذه الحقيقة هي ما يفسر نجاح المملكة في الجمع بين مشروع تنموي طموح ورؤية إصلاحية واسعة من جهة، وبين تطوير قدراتها الدفاعية من جهة أخرى، إذ لا تنمية بلا أمن، ولا استثمار بلا استقرار، ولا مستقبل لشعب يعيش تحت تهديد الصواريخ والإرهاب.
إن السعودية لا تطلب إذناً من أحد للدفاع عن شعبها، لأن حماية المواطنين ليست منحة تمنحها القوى الكبرى، ولا قراراً يصدر عن المؤسسات الدولية، وإنما هي واجب سيادي أصيل، تؤيده الشريعة، ويكفله القانون الدولي، ويفرضه الضمير الوطني.
ولهذا ستظل المملكة، بقيادتها وشعبها وقواتها المسلحة، متمسكة بخيار السلام، لكنها سلام الواثق القادر، لا سلام المستسلم. وستبقى مؤمنة بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار، غير أن الحوار لا ينجح إلا حين يدرك المعتدي أن خلف الدعوة إلى السلام دولة تعرف كيف تحمي أرضها، وتصون سيادتها، وتحفظ كرامة شعبها، وترد العدوان بما يكفل الأمن ويصون الحق.