د. عبدالمحسن الرحيمي
ثمانية تريليونات دولار. هذا هو الرقم الذي قدّره مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون لحروب الولايات المتحدة المرتبطة بمرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وما ترتب عليها من تكاليف والتزامات. وفي أوكرانيا، قُدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في فبراير 2026 بنحو 588 مليار دولار خلال عشر سنوات، بينما بلغت تقديرات احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة، وفق تقييم نُشر في فبراير 2025، نحو 53 مليار دولار.
أرقام بهذا الحجم تتجاوز قدرتنا المعتادة على التخيل. فالتريليون ليس مجرد رقم في موازنات الدول؛ إنه احتمالات كان يمكن أن تتحول إلى جامعات ومختبرات ومستشفيات ومدن وشبكات نقل وطاقة وتقنيات وأبحاث وفرص عمل. وحين تُنفق موارد هائلة في الحرب، ثم تُرصد موارد أخرى لإعادة بناء ما دمرته، يبرز سؤال يتجاوز الاقتصاد إلى فلسفة السياسة نفسها: كم مرة تدفع الحضارة ثمن الشيء ذاته؛ مرة حين تبنيه، ومرة حين تهدمه، ومرة ثالثة حين تعيد بناءه؟
تكشف الحروب، على فداحة أثمانها، عن قدرة الإنسان على حشد المال والعقول والتقنية بسرعة استثنائية عندما يشعر بأن الخطر وجودي. فقد أسهمت المنافسات العسكرية في تسريع مسارات علمية وتقنية امتد أثرها لاحقًا إلى الحياة المدنية، كما دفعت كوارث الحروب الدول إلى ابتكار مؤسسات وقواعد جديدة للتعاون. وهذا يطرح سؤالًا أكثر إرباكًا: لماذا تستطيع البشرية أن تحشد تريليونات الدولارات، وتعبئ العلماء والمصانع والمؤسسات عندما تستعد للحرب، بينما يصعب عليها استدعاء المستوى نفسه من الإرادة لتسريع التنمية أو منع أسباب الصراع؟
ربما كانت المشكلة في الوجهة أكثر منها في الطاقة. فالتباين في المصالح والتصورات والطموحات رافق التجربة الإنسانية، وكان في مراحل كثيرة قوة دافعة للتطور. وحين تحسن السياسة إدارة هذه الطاقة، تتحول المنافسة إلى ابتكار ومعرفة وتنمية؛ وحين تفشل، تنتقل الطاقة نفسها من إنتاج القيمة إلى استنزافها. فالتباين ذاته يمكن أن يكون وقودًا للتنمية أو وقودًا للحرب، والفارق بينهما هو جودة السياسة التي تديره.
لقد كان التنافس بين الأمم محركًا لتحولات حضارية كبرى؛ فالمنافسة على الأسواق رفعت الإنتاجية، والسباق على المعرفة وسّع حدود العلم، والتنافس على المكانة دفع الدول إلى الاستثمار في التعليم والبحث والتقنية والطاقة والفضاء. ويقدم سباق الفضاء في القرن العشرين مثالًا واضحًا؛ فقد نشأ في قلب تنافس جيوسياسي حاد، لكنه أنتج قفزات علمية وتقنية تجاوز أثرها حدود الدول المتنافسة.
وتظهر هنا وظيفة السياسة في معناها الأعمق: تحويل الاختلاف من عبء يحتاج إلى الاحتواء إلى طاقة قابلة للاستثمار.
فالاستقرار الأكثر نضجًا يقوم على تنظيم المصالح المختلفة ضمن قواعد تحفظ مساحة الحركة وتمنع المنافسة من الانزلاق إلى تهديد وجودي، وهو ما يمكن أن نقرأ في ضوئه تطور الدبلوماسية والمعاهدات والمؤسسات الدولية وقواعد التجارة ومفاهيم التوازن والردع.
وتزداد المفارقة وضوحًا في العلاقة بين الحرب والابتكار. فمشروعات البحث الدفاعي الأمريكية أسهمت في تطوير شبكة وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة، المعروفة عربيًا بشبكة «أربانت»، التي كانت إحدى الجذور التقنية للإنترنت الحديث، ودفعت الحاجة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية إلى التوسع الصناعي السريع في إنتاج البنسلين، كما تحولت تقنيات الملاحة عبر الأقمار الصناعية التي تطورت في سياقات دفاعية إلى بنية عالمية يعتمد عليها النقل والاقتصاد والاتصالات والتوقيت.
وامتد التحول إلى النظام الدولي نفسه. فمن الدمار الهائل للحرب العالمية الثانية نشأت إرادة لإعادة هندسة العلاقات بين الدول؛ فتأسست منظمة الأمم المتحدة، وظهرت ترتيبات بريتون وودز وما انبثق عنها من مؤسسات اقتصادية دولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي أوروبا، بدأ الفرنسيون والألمان بعد سنوات قليلة من الحرب ربط مصالحهم في الفحم والصلب ضمن بنية مشتركة، فتحولت مادتان كانتا في قلب القدرة الصناعية والعسكرية إلى أساس للاعتماد المتبادل، وأصبحت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب إحدى اللبنات التي قادت لاحقًا إلى الاتحاد الأوروبي.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات التاريخ إثارة: تستهلك الحرب الإنسان والمال والعمران، ثم تدفع البشر إلى حشد قدراتهم العلمية وإعادة تصميم مؤسساتهم، ليكتشف الخصوم بعد الكارثة أن المصالح المشتركة كان يمكن أن تكون أساسًا للتعاون قبلها.
من هنا يبرز تحدٍ حضاري يتمثل في تحويل الأزمات إلى طاقة للتنمية؛ أي استثمار ما تولده الأزمات من تعبئة للموارد، وتسريع للقرار، وجرأة في الابتكار، ثم توجيه هذه الطاقة نحو الصحة والطاقة والأمن الغذائي والتعليم والتقنية وجودة الحياة، قبل أن تتحول الأزمة إلى صراع يستنزف الإنسان والاقتصاد. وعندها يرتقي ميدان التنافس من القدرة على فرض الكلفة على المنافس إلى القدرة على إنتاج قيمة أكبر.
ومن هذه الزاوية تكتسب التجربة السعودية المعاصرة دلالتها. فالمملكة العربية السعودية تتحرك في بيئة دولية وإقليمية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتحولات في موازين القوة، بينما وسعت مجال حركتها السياسية وشبكة علاقاتها الدولية مع المحافظة على استقلال قرارها الوطني.
ويظهر ذلك في الجمع بين شراكات استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقات اقتصادية وإستراتيجية متنامية مع جمهورية الصين الشعبية، وانفتاح على قوى واقتصادات أخرى، وفق قراءة للمصالح تنطلق من الأولويات الوطنية. وفي نظام دولي يتجه إلى تعددية أكثر تعقيدًا، تصبح قدرة الدولة على تفكيك الخلاف والفصل بين ملفاته مهارة استراتيجية تمنع اختلافًا في قضية من التحول إلى خصومة شاملة.
وهنا يبرز مفهوم «إدارة التباين» بوصفه أكثر استباقية من إدارة الصراع؛ فهو يبدأ قبل وصول الخلاف إلى مرحلة الخطر، ويتعامل مع اختلاف المصالح باعتباره حقيقة يمكن تنظيمها عبر شبكة من العلاقات والمصالح المتبادلة، بما يسمح للمنافسة بإنتاج قيمة ويضيّق احتمالات تحولها إلى صدام. ويمكن قراءة التجربة السعودية في هذا الإطار: قوة تقترن بمرونة الحركة، واستقلال يتسع لتعدد الشراكات، وقدرة على حماية المصالح مع إبقاء أبواب السياسة مفتوحة.
ولعل النقلة التي تحتاج إليها فلسفة السياسة العالمية هي أن تتعلم البشرية من التاريخ من دون أن تضطر في كل مرة إلى إعادة دفع أثمانه؛ فإذا كانت الأزمات قد سرّعت التقنية وحشدت الموارد والعقول، فإن التحدي هو توجيه الطاقة نفسها نحو التنمية، وإذا كان الدمار قد دفع الخصوم إلى اكتشاف المصالح المشتركة، فإن الحكمة السياسية تبدأ ببنائها قبل الدمار.
وفي هذا المعنى يفتح القرآن الكريم أفقًا أعمق لفهم التجربة الإنسانية، حين يقول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]. تتغير الأزمنة، وتتبدل أدوات القوة وأشكال الصراع، وتبقى صور الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات حاضرة في التجربة الإنسانية بأشكال مختلفة. غير أن اتساع قدرة الإنسان العلمية والاقتصادية والتقنية يضاعف مسؤوليته عن الكيفية التي يواجه بها هذه الابتلاءات، وعن مقدار ما يمنع منها أن يتحول بفعل القرار البشري إلى مآسٍ أكبر.
ومن هنا يصبح السؤال الأجدر بهذا القرن: إذا كانت البشرية قادرة على حشد تريليونات الدولارات، وتسخير العلم والتقنية والعقول عندما تقترب الحرب، فلماذا لا تستدعي القوة نفسها عندما تكون الغاية هي التنمية ومنع أسباب الحرب؟
ربما يكون هذا هو الاختبار الحضاري الحقيقي: أن نحول الأزمات إلى طاقة للبناء قبل أن تصبح وقودًا للحروب، وأن نجعل التنافس سباقًا على إنتاج القيمة بدل إيقاع الضرر. وحين تنجح السياسة في ذلك، يصبح الإنسان غاية القوة والتنمية، لا الثمن الذي يُدفع عند إخفاقهما.