د. راشد بن حسين العبدالكريم
كان تعليم التفكير هدفاً رئيساً في كل توجهات المنهج ونظرياته، وإن اختلفت الطرق في تعليمه. فالجميع متفقون على أهمية التفكير، وأن المعرفة لا يمكن أن تحصل دون تفكير، ولا يمكن أن تُحول إلى حكمة وإلى منتج إلا بالتفكير. بل ربما حصل شيء من المبالغة في العصر الحديث لدى بعض التوجهات في التركيز على التفكير لدرجة إهمال المعرفة ذاتها أو التقليل من قيمتها.
وعند ظهور الذكاء الصناعي في السنوات الأخيرة كان من النقد الذي وجه له ومن التخوفات التي ووجه بها أنه سيعطل ملكات التفكير عند الطلاب، وأنه سينشئ طلاباً غير مدربين على التفكير، لأنهم تعودوا على أن يفكر عنهم الذكاء الصناعي. فهو ينقد ما يريد المستخدم منه نقده، ويبدع عند طلب الأفكار منه. فسيحرِم الطلاب من تنمية مهارات التفكير لديهم، من خلال ممارستهم له.
والحقيقة أن هذا الرأي (الرأي الذي يقول إن الذكاء الصناعي سيضعف مهارات التفكير عند الطلاب) ينظر إلى الذكاء الصناعي نظرة سطحية، أو جزئية قاصرة. فالذكاء الصناعي وإن كان يقدم للطالب ما يريده (من الواجب) جاهزا، إلا أن هذا ليس فقط هو ما يستطيع القيام به.
فهو أيضا يحلل وينقد، فيجبر الطالب على قراءة النقد والتعلم منه. وهو وإن كان ليس كل ما يقوله في النقد صحيحاً، إلا أنه يعلم الطالب منهجية النقد، والتفصيل فيه، والنظر إلى الأمور من عدة زوايا.
كما أن الذكاء الصناعي يبدع، بمعنى أنه يأتي بأفكار فيها جِدّة، من خلال دمج ما تعلمّه من أفكار أو القياس عليها، فيلفت انتباه الطالب إلى جوانب إبداعية لم تخطر بباله. وهو وإن كان ربما تكلف في الربط بين بعض الأفكار، بما قد يصل إلى (الهلوسة)، وهي قيام الذكاء الصناعي باختراع المعلومات وتركيبها، بما لا يوجد حقيقة. إلا أنه كثيراً ما يأتي بأفكار إبداعية مفيدة. والذكاء الصناعي عندما «يُهلوِس» فهو لا يتقصد أن يكذب أو يخدع، إنما خوارزمياته التي تسيره، تحتم عليه أو تعطيه الفرصة لأن يخمّن أو يبني معلومة يرى أنها محتملةُ الصدق.
أيضا لا بد من التفريق بين استخدام الطلاب الصغار له، وبين استخدام الطلاب الكبار (الثانوية وما بعدها). فالطلاب الصغار قد يقال إنهم في مرحلة يجب أن يتعودوا إجراء عمليات عقلية كثيرة ومعقدة، وينغمسوا فيها لتتعود أذهانهم على التفكير العميق بكافة أنواعه. إلا أنه مع الكبار قد يكون التفكير مع الذكاء الصناعي ذا فائدة كبيرة لهم. فهو في هذه الحالة يعمل لا بديلاً عنهم بل يعمل على أنه دعامة (أو سقالة تعليمية scaffolding، كما تقول النظريةُ البنائية) أي مساند وداعم ليصل المتعلم إلى أقصى حد ممكن من قدرات تعلمه.
ولكي يقوم الذكاء بعمل ذكي، لا بد أن يكون مستخدمه على درجة عالية من الذكاء من حيث القدرة على تحديد المطلوب وتوجيه الذكاء الصناعي بشكل دقيق.
ولو طبقنا مبدأ أن الذكاء الصناعي سيفكر عن الطالب وبالتالي سيضعف مهارته في التفكير، فيمكن أن يقال الشيء نفسه عن قراءة الكتب. فعندما يقرأ الطالب الكتاب، فهو غالباً يأخذ النتيجة التي توصل لها المؤلف، ويقبلها بنفس المحاجة والمنطق غالباً. ولا يقول أحد إن ذلك يفسد مهارات التفكير عند الطالب. بل قد تكون هذه مرحلة أساسية في (تعليم التفكير) وهي مرحلة تكوين المعرفة، ومرحلة جمع الآراء، والتبني المؤقت (الذي ربما يصبح دائما) لقول منها. لكن قراءة الكتب والاطلاع على آراء العلماء والإعجاب بها وتبنيها لا يقال إنه يفسد ملكة التفكير عند المتعلم. بل هي مرحلة ضمن عملية طويلة للنمو واكتساب مهارات التفكير وإنضاجها. بل إن الذكاء الصناعي يوفر خدمة/ خاصية لا توجد عادة في الكتب.
ففي حين أن غالب المؤلفين والمفكرين والمعلمين يؤكد في بداية كتابه وفي أثنائه أن قوله هو الصواب، ورأيه هو الحق، وما سواه خطأ أو قول ضعيف، ويؤكد هذا بكافة السبل المباشرة وغير المباشرة، نجد الذكاء الصناعي على الضد من ذلك. فالذكاء الصناعي كثيرا ما يطرح آراء لا رأيا واحدا، ويقارن بينها، ويحث المستخدم على التقويم والاختيار. كما أنه واسع الصدر لأي استدراك أو تصحيح أو تساؤل أو تشكيك. بخلاف ما نراه في الكتب. وليس المقصود هنا المقارنة بين أسلوب البشر في الكتب وأسلوب الذكاء الصناعي، إنما المقصود أن التعرف على أقوال الآخرين وتبنيها في بداية مراحل التعلم لا يكون ضارا بالشكل الذي قد يتصوره البعض، بل إن هذا أمر يكاد يكون طبيعيا في البشر. فلماذا يزداد التخوّف منه عندما يتعلق الأمر بالذكاء الآلي.
لدى الذكاء الصناعي القدرة الفائقة على تدريس الذكاء بأنواعه والسعي في تنميته لدى المتعلم، بصور شتى. وهو يسلك في ذلك الطريقة المباشرة، بأن يصمم برنامجا لتدريس التفكير، أو يدرّس كتابا في تعليم التفكير، عن طريق الشرح والاختصار والاختبار. ويسلك أيضا الطريقة غير المباشرة في تعليم التفكير والتي تتم من خلال دمج تنمية مهارات التفكير في أنشطة التعلم كافة. فكل النماذج التعليمية في الذكاء الصناعي تقريباً قائمة على تنمية مهارات التفكير، وجعل ذلك من المقاصد الأساسية في التعليم.
والذكاء الصناعي يتميز مع هذا بصبر - غير بشري! - لا حد له، وقدرة على تنويع طرائق التدريس بما يتناسب مع مهارات التفكير المراد تدريسها أو تنميتها، وبما يتناسب مع مستوى المتعلم.
فعند توفر التوجيه الصحيح، يكون تعامل الطالب مع الذكاء الصناعي تعاملا تفاعليا إيجابيا، ينمي مهارات الطالب، حتى لو قام عنه ببعض الأعمال التي يُفترض أن يقوم الطالب بها.
لا نستطيع الجزم بعدم وجود آثار سلبية للذكاء الصناعي على تنمية التفكير، وأظن أن الجزم بوجود ذلك يحتاج إلى دراسات متأنية، وشاملة. لكن الأكيد أنه حتى لو فُرض ظهور شيء من ذلك، فإن تلافي تلك الآثار ممكن، كما أن الفوائد الممكنة أكثر بكثير. ومن أهم الطرق في ذلك تغيير أسلوبنا في التدريس الذي يركز على الجانب المعرفي.
** **
- جامعة الملك سعود