أحمد آدم
لم تكن التحذيرات الصريحة التي رفعها كبار القادة العسكريين في واشنطن إلى البيت الأبيض مجرد توصيات تكتيكية لتهدئة اللعب في الشرق الأوسط، بل كانت بمثابة «جرس إنذار استراتيجي» كشف عن تحول مفصلي في قواعد الحروب الحديثة. لقد وضعت المواجهة الأخيرة الترسانة الأمريكية أمام حقيقة مؤلمة: أن الهيبة العسكرية الضاربة والتفوق التكنولوجي المطلق لا يكفيان لحسم حروب الاستنزاف غير المتناظرة. بين استنزاف الصواريخ الاعتراضية المليونية أمام أهداف وهمية ومسيّرات رخيصة، وبين بطء سلاسل التوريد الصناعية في الغرب، تتكشف فجوة عميقة بين «الردع النظري» و»الواقع الميداني»؛ وهي فجوة لا تعيد فقط رسم حسابات العواصم الكبرى من واشنطن إلى بكين، بل تفرض على المنطقة العربية وإقليمها إعادة التفكير جذرياً في أمنها القومي واستقلال قرارها التسليحي.
أولاً: تقارير استخبارية وعلامية تكشف عيوبا خطيرة في الآلة العسكرية الأمريكية
كشفت تقارير استخباراتية وإعلامية بارزة (مثل شبكة CNN وموقع Axios وصحيفة وول ستريت جورنال) أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي الجنرال دان كين، قد حذرا الرئيس دونالد ترامب رسمياً من مخاطر التصعيد العسكري ضد إيران.
1- تفاصيل التحذير العسكري
-استنزاف الصواريخ الدفاعية: أوضح رئيس الأركان، الجنرال دان كين، لترامب أن استمرار الغارات المكثفة واعتراض الهجمات المضادة أدى إلى تناقص حاد في مخزون الذخائر الدفاعية الحساسة، وخاصة الصواريخ الاعتراضية التابعة لمنظومات الدفاع الجوي مثل «باتريوت» و»ثاد». تهديد سلامة القوات: حذر القادة العسكريون من أن النقص الحالي في هذه الصواريخ قد يعوق قدرة الجيش الأمريكي على حماية جنوده وقواعده المنتشرة في الشرق الأوسط، ويترك الحلفاء الإقليميين مكشوفين أمام أي رد انتقامي واسع من جانب إيران.
-نفاد الأهداف الإستراتيجية: أبلغ قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأميرال براد كوبر، الإدارة بأن معظم الأهداف المحددة للقصف داخل إيران قد تم ضربها واستنفاذها بالفعل خلال الأسابيع الماضية، وأن استمرار القصف لن يحقق عوائد إستراتيجية جديدة دون الدخول في حرب شاملة.
2- موقف دونالد ترامب والرد الرسمي
استجابةً لهذه التقارير ولإتاحة فرصة للمسار الدبلوماسي (خصوصاً لتأمين الملاحة في مضيق هرمز)، وافق ترامب على تعليق الهجمات الجوية بعد حملة قصف متواصلة.
النفي العلني لنقص الذخيرة: على الرغم من التحذيرات الداخلية الصارمة، خرج الرئيس ترامب علناً ليعترض على فكرة أن النقص العسكري هو سبب التهدئة. وصرح لصحيفة «وول ستريت جورنال» قائلاً: «لدينا ذخائر أكثر من أي دولة في العالم، وأكثر بكثير مما نحتاج إليه»، معتبراً أن إرجاء التصعيد يهدف لمنح الدبلوماسية فرصة محدودة.
موقف البنتاغون: أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض والمتحدث باسم البنتاغون أن الجيش لديه الكفاءة الكاملة لتنفيذ أي خيار يطلبه الرئيس، لكن البيت الأبيض شدد في الوقت نفسه على أن نشر أي بيانات دقيقة ومحدثة حول أرقام استهلاك صواريخ «باتريوت» و»ثاد» يمثل خطراً هذه الأزمة كشفت بالفعل عن فجوة غير متوقعة بين الهيبة العسكرية الافتراضية لأمريكا وبين الواقع الميداني للحروب الحديثة.
3- أسباب هذة الفجوة السلبية
السبب في أن مواجهة مع قوة إقليمية كإيران أحدثت هذا التأثير يرجع إلى عدة تحولات إستراتيجية واقتصادية وتكنولوجية معقدة، نلخصها في النقاط التالية:
أ- معضلة التكلفة واختلال التوازن الاقتصادي
-المسيرات الرخيصة ضد الصواريخ المليونية: تعتمد إيران وحلفاؤها على سلاح الطائرات المسيرة (الدرونز) وصواريخ كروز رخيصة التكلفة (تتراوح بين 20 إلى 50 ألف دولار للمسيرة الواحدة).
-استنزاف الدفاعات الثمينة: لاعتراض هذه المسيرات الرخيصة، تضطر أمريكا لاستخدام صواريخ منظومات «باتريوت» أو «ثاد» أو صواريخ «ستاندردSM-3/SM-6 « البحرية، والتي تبدأ تكلفة الصاروخ الواحد منها من 3 ملايين وتصل إلى 11 مليون دولار.
-الاستنزاف السريع: إطلاق مئات المسيرات في وقت واحد يجبر القوات الأمريكية على استهلاك مخزونها الثمين من الصواريخ الاعتراضية في غضون أسابيع قليلة، مما يعني أن الطرف الأرخص سلاحاً ينجح في استنزاف الطرف الأغنى عسكرياً.
ب- أزمة خطوط الإنتاج الصناعي العسكري الأمريكي
-التركيز على التكنولوجيا لا الكمية: عقيدة الجيش الأمريكي بعد الحرب الباردة ركزت على إنتاج أسلحة ذكية وشديدة التعقيد بكميات محدودة، بدلاً من الإنتاج الكمي الضخم لحروب الاستنزاف الطويلة.
-بطء التصنيع: مصانع السلاح الأمريكية (مثل ريثيون ولوكهيد مارتن) تستغرق من عامين إلى ثلاثة أعوام لإنتاج دفعة جديدة من الصواريخ الدفاعية المتقدمة بسبب تعقيد سلاسل التوريد ونقص العمالة الماهرة ونقص المواد الخام.
-تعدد الجبهات: المخزون الأمريكي لم يستنزف فقط في الشرق الأوسط، بل تعرض لضغط هائل مستمر جراء تزويد أوكرانيا بالدفاعات الجوية لسنوات، إلى جانب الاحتفاظ بمخزون استراتيجي تحسباً لأي صراع محتمل مع الصين حول تايوان.
ج- طبيعة الجغرافيا والعمق الاستراتيجي لإيران
-المساحة الشاسعة والتحصين: إيران ليست دولة صغيرة يمكن شل حركتها بضربات جوية خاطفة؛ بل هي دولة ذات مساحة جغرافية ضخمة (تزيد عن 1.6 مليون كم مربع) وتضاريس جبلية وعرة.
-مدن الصواريخ تحت الأرض: قامت إيران على مدار عقود ببناء شبكة هائلة من القواعد والأنفاق الصاروخية المحصنة في أعماق الجبال (تُعرف بـ «مدن الصواريخ تحت الأرض»)، مما يجعل تدمير قدراتها الصاروخية بالكامل من الجو أمراً شبه مستحيل دون التورط في غزو بري واسع، وهو خيار ترفضه واشنطن تماماً.
د- كشف ومكاشفة:
-الهيبة العسكرية: الهيبة الأمريكية مبنية على «القدرة الهجومية الساحقة»(طائرات شبحية، حاملات طائرات، قاذفات إستراتيجية).
- المكاشفة بدافع الحذر: تحذير القادة العسكريين لترامب ليس علامة على ضعف رغبتهم في القتال، بل هو واقعية عسكرية لحماية الأمن القومي. فالجيش يرى أن استهلاك أغلب ما تملكه أمريكا من صواريخ دفاعية ضد إيران سيترك الأجواء الأمريكية، أو القواعد الحيوية في المحيط الهادئ أمام الصين، مكشوفة تماماً بلا غطاء دفاعي كامل.
باختصار، هذه الأزمة لم تعنِ أن أمريكا أصبحت ضعيفة هجومياً، بل كشفت أن المنظومة الصناعية العسكرية الغربية غير مستعدة لخوض «حرب استنزاف» طويلة الأمد ضد خصم يعتمد على أسلحة غير متناظرة ورخيصة الكلفة بكثافة عالية. مباشراً على الأمن القومي الأمريكي.
ثانيا: ردود الأفعال العالمية علي أزمة الذخائر الأمريكية
لقد أحدث الكشف عن «نقص الذخائر الأمريكية» في هذه المواجهة زلزالاً سياسياً واستراتيجياً على مستوى العالم. هذه الأنباء لم تظل شأناً داخلياً بواشنطن، بل تلقتها العواصم الكبرى وردت عليها بناءً على مصالحها وحساباتها العسكرية:
1- معسكر الخصوم: روسيا والصين وإيران
-إيران (نشوة إستراتيجية): اعتبرت طهران هذه التقارير دليلاً علنياً على نجاح استراتيجيتها في «حرب الاستنزاف غير المتناظرة». وصرح مسؤولون إيرانيون بأن السيطرة الميدانية في مضيق هرمز باتت بالكامل في أيديهم، وأن الكلفة الاقتصادية العالية لمنظومة الدفاع الأمريكية تجعل استمرار الضربات مستحيلاً عسكرياً وعقبة أمام أي غزو بري.
-الصين (مراقبة واستغلال الثغرة): تتابع بكين بدقة أرقام استهلاك الصواريخ الأمريكية. ويرى المحللون الصينيون (وفقاً لتقارير مثل غلوبال تايمز) أن انشغال أمريكا بنفاد مخزونها من صواريخ «باتريوت» و»ثاد» في الشرق الأوسط يضعف قدرتها الردعية في المحيط الهادئ، مما يمنح الصين نافذة تفوق استراتيجي حول تايوان.
-روسيا (تأكيد على صواب رؤيتها): استغلت وسائل الإعلام المقربة من الكرملين الأزمة لإبراز أن القوة الصناعية العسكرية للغرب عاجزة عن مجاراة حروب الاستنزاف الطويلة، معتبرة أن تحويل إدارة بايدن السابقة لمخزونات السلاح إلى أوكرانيا أضعف الحاضر العسكري لترامب.
2- الحلفاء
سادت حالة من القلق الصامت والترقب لدى الحلفاء، فالتقارير التي تفيد بأن القادة العسكريين الأمريكيين بدأوا يضطرون لتمرير بعض المسيرات الإيرانية غير الخطرة لتوفير الصواريخ الثمينة، أثارت مخاوف الحلفاء من احتمالية تقلص الغطاء الدفاعي الممنوح لقواعدهم وأجوائهم.
-إسرائيل: رفعت أجهزة الأمن الإسرائيلية من درجة استعدادها. فرغم استمرار الدعم الأمريكي، إلا أن إدراك إسرائيل لنقص المخزونات الإستراتيجية دفعها للاستعداد لسيناريوهات تفرض عليها الاعتماد المطلق على منظوماتها المستقلة (كالقبة الحديدية وحصن داوود) في حال ردت إيران بشكل أوسع.
-حلف الناتو وأوروبا: بدأت الدول الأوروبية بمراجعة فورية لخطوط إنتاجها العسكري، بعدما أدركت أن الاعتماد الكامل على المخازن الأمريكية في الأزمات الكبرى يمثل مخاطرة غير آمنة في ظل بطء سلاسل التوريد الصناعية.
3- الأسواق العالمية والاقتصاد المالي
-تذبذب أسعار النفط: بمجرد تسريب تقارير نقص الذخائر وقبول ترامب بـ «تعليق مؤقت للضربات الجوية لإعطاء فرصة للدبلوماسية»، انخفضت أسعار النفط عالمياً بنسبة تجاوزت 5% ليهبط خام برنت إلى حدود 91 دولاراً بعدما كانت التوقعات تحذر من قفزة تصل لـ 200 دولار في حال الدخول في حرب شاملة.
باختصار، رد الفعل العالمي أجمع على أن هذه الأحداث وضعت حداً لأسطورة «المخزون العسكري الذي لا ينفد»، وأجبرت القوى العظمى على إعادة حسابات الكلفة والكمية في حروب القرن الحادي والعشرين.
4- تأثير أزمة الذخائر علي الداخل الامريكي
لقد أحدثت أزمة نقص الذخائر حالة من الاستنفار والجدل العارم داخل الساحة الأمريكية الميدانية والسياسية. فتحت هذه الأزمة الباب أمام مواجهات سياسية وتشريعية ساخنة بين مختلف أطراف الدولة، نظراً لخطورة التوقيت وتزامن الأحداث مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
أ- معركة الكونغرس والتمويل الطارئ
-طلبات البنتاغون العاجلة: ضغطت وزارة الدفاع (البنتاغون) على المشرعين في الكونغرس للموافقة الفورية على ميزانيات تمويل ضخمة لإعادة ملء المخازن بعد استهلاك كميات قياسية من الصواريخ (مثل إطلاق أكثر من 1200 صاروخ باتريوت وألف صاروخ توماهوك).
-تحقيقات وتسريبات: اندلعت أزمة داخلية بعد تصريحات لأعضاء في الكونغرس (مثل السيناتور مارك كيلي) أكدوا فيها وجود نقص حقيقي في الصواريخ الاعتراضية، مما دفع وزير الدفاع بيت هيغسيث لفتح تحقيق داخلي حول تسريب معلومات سرية تضر بالأمن القومي.
ب- غضب الإدارة وضغوطها على مصانع السلاح
-اجتماعات البيت الأبيض الحادة: عقد الرئيس ترامب وكبار مسؤولي البنتاغون اجتماعات طارئة مع الرؤساء التنفيذيين لشركات الدفاع الكبرى (مثل ريثيون ولوكهيد مارتن) لمطالبتهم بتسريع خطوط الإنتاج بشكل غير تقليدي.
-مطالب الشركات بالضمانات: ردت شركات السلاح بأن زيادة الإنتاج تتطلب عقوداً طويلة الأجل وتمويلاً حكومياً ضخماً ومسبقاً لتوسيع المصانع، حيث يستغرق بناء صواريخ جديدة واستبدال الأنظمة المستهلكة من 3 إلى 5 سنوات.
-قرار القيود على سلاسل التوريد: وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يمنع شركات الدفاع من الاعتماد على معادن أو مكونات حيوية قادمة من «دول معادية» (كالصين وروسيا)، بهدف إجبار المصانع على تأمين خطوط إنتاج أمريكية محلية بالكامل لضمان عدم قطعها أثناء الحروب.
ج- الانقسام السياسي الحزبي (جمهوريون ضد ديمقراطيين).
-استغل الحزب الديمقراطي الأزمة لاتهام إدارة ترامب بالاندفاع نحو تصعيد عسكري غير مدروس في الشرق الأوسط دون تقييم حقيقي لجهوزية الجيش. رد ترامب والجمهوريين: ألقى ترامب باللوم علناً على الإدارة السابقة بقيادة جو بايدن، متهماً إياها بنقل كميات هائلة من أفضل الأسلحة الأمريكية والدفاعات الجوية إلى أوكرانيا على مدار السنوات الماضية دون الاهتمام بإعادة تجديد المخزون الاستراتيجي.
د- انقسام الشارع والإعلام الأمريكي
-أزمة الردع العسكري: ناقشت كبريات الصحف ومراكز الأبحاث (مثل وول ستريت جورنال وصحيفة نيويورك تايمز) الأزمة بوصفها «فشلاً فكرياً وإستراتيجياً» في التخطيط العسكري الأمريكي، حيث اعتمد البنتاغون لعقود على فرضية أن الحروب القادمة ستكون خاطفة وقصيرة، ولم يستعد لحروب استنزاف ممتدة ضد قوى إقليمية.
-القلق على الجبهات الأخرى: تصاعدت مخاوف النخب العسكرية من أن استنزاف القدرات الحالية في الشرق الأوسط سيترك القواعد الأمريكية في المحيط الهادئ مكشوفة وضعيفة، مما قد يشجع الصين على اتخاذ خطوة عسكرية مفاجئة تجاه تايوان.
باختصار، تحولت أزمة الذخائر في الداخل الأمريكي من مجرد تقرير فني عسكري إلى قضية أمن قومي واقتصادي من الدرجة الأولى ووضعت كفاءة قطاع التصنيع العسكري الأمريكي بأكمله تحت المجهر والمساءلة.