د. علي بن عالي السعدوني
ليست قيمة الجامعة فيما تمنحه من شهادات، ولا فيما تعلنه من برامج أكاديمية بقيت على حالها أعوامًا طويلة دون مراجعة أو تحديث، وإنما فيما تمتلكه من قدرة على قراءة المستقبل قبل أن يفرض نفسه، وعلى إعادة تشكيل خططها الدراسية كلما تبدلت احتياجات المجتمع، وتغيرت الأنظمة المهنية، وتسارعت التحولات الاقتصادية والتقنية، وأصبح سوق العمل يطالب بكفاءات تختلف عما كان يطلبه بالأمس ؛لأن المؤسسة الأكاديمية التي تتعامل مع المعرفة بوصفها كيانًا ثابتًا لا يتغير سرعان ما تجد نفسها بعيدة عن حركة الزمن، وتتحول مخرجاتها إلى ضحية للفجوة المتسعة بين ما يُدرَّس داخل الجامعة، وما يفرضه الواقع المهني الذي تتغير معاييره بصورة متواصلة، وهو ما يجعل تطوير الخطط الأكاديمية، والتوسع في برامج الدراسات العليا، واستحداث التخصصات النوعية، وربط المناهج بالهيئات المهنية، مسؤولية استراتيجية لا تحتمل التأجيل إذا أرادت الجامعات أن تكون شريكًا حقيقيًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وتتجلى هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحًا حين نتأمل واقع بعض الجامعات الواقعة في المحافظات التي ما زالت تتحرك بإيقاع لا ينسجم مع السرعة التي يشهدها قطاع التعليم الجامعي، ولا مع التحولات المتلاحقة التي يعيشها سوق العمل، ولا مع حجم الطموحات الوطنية التي تستهدف بناء جامعات تمتلك القدرة على المنافسة والإبداع واستشراف المستقبل إذ لا يزال تطوير برامج الدراسات العليا يسير بوتيرة أبطأ مما تقتضيه المرحلة، ولا تزال التخصصات الحديثة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني تدخل إلى بعض الجامعات متأخرة، ولا تزال البرامج المدفوعة التي أصبحت موردًا علميًا وماليًا في كثير من الجامعات تتوسع بخطوات محدودة، وكأن الزمن ينتظر من يتردد، أو أن احتياجات المجتمع يمكن أن تؤجل حتى تكتمل الإجراءات الإدارية. ولعل أكثر ما يبعث على القلق أن بعض الخطط الدراسية تبقى سنوات طويلة دون مراجعة علمية دقيقة على الرغم من أن الهيئات المهنية تعيد تحديث معاييرها بصورة مستمرة، وأن المهن نفسها تتغير في توصيفاتها ومتطلباتها ومساراتها، وأن الاقتصاد الحديث يفرض مهارات جديدة لم تكن مطلوبة قبل سنوات قليلة الأمر الذي يجعل أي تأخر في تحديث المناهج سببًا مباشرًا في اتساع الفجوة بين ما يدرسه الطالب، وبين ما يحتاج إليه حين يقف على أعتاب سوق العمل، وهي فجوة لا يتحمل نتائجها إلا الطالب الذي وثق بجامعته، وولي الأمر الذي سلّم مستقبل ابنه لمؤسسة يفترض أنها تتابع كل متغير علمي ومهني أولًا بأول. ومن الوقائع التي تستحق الوقوف عندها أن أحد أولياء الأمور أخبرني بأن ابنه التحق بأحد أقسام هندسة الحاسب في إحدى الجامعات الواقعة في المحافظات، وأمضى سنوات الدراسة وهو يعتقد أن نهاية هذا الطريق ستكون الحصول على صفة مهندس غير أن المفاجأة لم تظهر إلا بعد التخرج حين تبين أن تصنيفه المهني سيكون أخصائيًا لا مهندسًا، وبعد مراجعة الجهات المختصة اتضح أن السبب يعود إلى عدم مواءمة الخطة الدراسية للمتطلبات التي أقرتها هيئة المهندسين، وهنا لا يعود الحديث عن خطأ فردي أو حالة استثنائية بل عن مسؤولية أكاديمية تستوجب المراجعة والمحاسبة؛ لأن الطالب لم يختر الخطة الدراسية، ولم يضع توصيف المقررات، ولم يعتمد البرنامج، وإنما التحق بجامعة منحها ثقته الكاملة معتقدًا أنها قامت بكل ما يلزم لحماية مستقبله العلمي والمهني.
ولا تقف الحاجة إلى المراجعة عند حدود المناهج والبرامج بل تمتد إلى آليات إدارة الأقسام الأكاديمية إذ لا يزال يُلاحظ في بعض الجامعات فتح باب الإعارة لمن يحملون درجة البكالوريوس، ثم تكليف بعضهم برئاسة أقسام أكاديمية مع أن هذه المواقع العلمية تتطلب خبرة بحثية متراكمة، وإنتاجًا علميًا رصينًا، وقدرة على تطوير الخطط الدراسية، والإشراف على الدراسات العليا، والتعامل مع معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي؛ لأن رئاسة القسم ليست موقعًا إداريًا يُدار بحسن النية وحده، وإنما مسؤولية علمية يتوقف عليها مستوى البرنامج الأكاديمي، وجودة مخرجاته، واتجاهاته البحثية، وقدرته على مواكبة التطورات المتسارعة في تخصصه.
إن الجامعة التي تدرك حجم رسالتها لا تنتظر حتى تتراكم المشكلات ثم تبدأ في البحث عن حلولها، ولا تؤجل تحديث برامجها حتى يكتشف الخريجون أن مؤهلاتهم لم تعد منسجمة مع المتطلبات المهنية، ولا تجعل التطوير استجابة لضغط خارجي، وإنما تبني داخلها ثقافة مؤسسية تقوم على المراجعة المستمرة، والتقويم الدائم، والجرأة في تعديل الخطط، وسرعة التفاعل مع كل متغير علمي أو تنظيمي؛ لأن المؤسسة التي تسبق المتغيرات هي التي تصنع المستقبل أما المؤسسة التي تكتفي بملاحقتها فإنها تبقى أسيرة لما مضى.
لقد وضعت رؤية المملكة 2030 التعليم الجامعي أمام مسؤولية كبرى تتمثل في بناء رأس مال بشري يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة عالميًا، وهو هدف لا يمكن بلوغه إلا إذا أصبحت مراجعة المناهج، وتطوير الدراسات العليا، واستحداث التخصصات المستقبلية، وربط البرامج بالهيئات المهنية، واختيار القيادات الأكاديمية على أساس الكفاءة والاستحقاق، ثقافة راسخة لا قرارًا مؤقتًا حتى تظل الجامعة مصنعًا للعقول، وصانعةً للفرص، وضمانةً لمستقبل أجيالٍ وضعت ثقتها فيها، وانتظرت منها أن تكون دائمًا في مقدمة الزمن لا في آخر صفوفه.