د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الاعتذار ليس مجرد كلمة آسف، بل وسيلة لإعادة الكرامة للمجروح، وترميم الثقة، ومنع استمرار دائرة الإهانة والانتقام».
- آرون لازار، طبيب نفسي -
**********
«كارينا شومان» باحثة كندية اهتمت بدراسة الاعتذار وهي رئيسة مختبر حل النزاعات (CORE) الموجود في قسم علم النفس بجامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة.
هذا المختبر يركز على دراسة السلوكيات التي تعيد بناء الثقة بعد الخلاف بمعنى لا يدرسون الاعتذار بمعزل عن سلوكيات مثل التسامح، التعاطف، الانتقام، التبرير، والدفاع عن النفس، بينما تشح الدراسات العربية النفسية حول الاعتذار، رغم أنه موجود في مناهجها التربوية، ونحرص على تعليم أبنائنا كيف يعتذرون ومتى ولماذا، ولكن تظل ثقافة الاعتذار شبه غائبة في المجتمعات العربية بشكل عام بسبب موروثات اجتماعية خاطئة.
في مقالة علمية للباحثة « كارينا» عن الاعتذار نشرتها
مجلة «Current Directions in Psychological Science» عام 2018
بعنوان «سيكولوجية تقديم الاعتذار: فهم العوائق التي تحول دون الاعتذار وكيفية التغلب عليها».
أكدت الباحثة على أن المخطئ بعد ارتكاب إساءة ما، يواجه صعوبة في الاعتذار وغالبا ما يختار تقديم اعتذار سطحي، أو الامتناع عن الاعتذار، أو الرد على الضحية بأسلوب دفاعي مما يؤثر على الطرفين وعلى العلاقة بينهما.
وتحدد الباحثة ثلاثة عوائق رئيسة تمنع حدوث الاعتذار، وهي:
(أ) ضعف الاهتمام بالضحية أو بالعلاقة، (ب) الشعور بتهديد للصورة الذاتية للمخطئ، و(ج) الاعتقاد بأن الاعتذار لن يكون فعالاً.
ويمكن إضافة أسباب مثل:
الخلط بين الخطأ والهوية، التربية التي تربط الاعتراف بالخطأ بالعقاب، وتضخم الأنا.
بعض هذه الأسباب يمكن أن نجدها بالفعل في استحضارنا لأي قصة في حياتنا أو من حولنا بها طرفي خلاف.
وفي رأيي أن عدم تعزيز ثقافة الاعتذار في مجتمعاتنا العربية جاءت من تركيز الموروث على حماية الكرامة أكثر من التركيز على فضيلة الاعتذار التي ظلت قيمة أخلاقية ودينية أكثر منها قيمة اجتماعية، فالعرب يرون في الاعتذار نوعا من الضعف والمساس بالكرامة بينما يهتم الإسلام بالاعتذار، وأجد أهم الأمثلة قصة بلال بن رباح وأبو ذر الغفاري عندما قال أبو ذر لبلال: «يا ابن السوداء»، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنك امرؤ فيك جاهلية». عندها ندم أبو ذر، ووضع خده على الأرض وقال لبلال: لا أرفعه حتى تطأه بقدمك.
أما الخلفية العربية لمجتمعاتنا والتي يطلق عليها «التراتبية الاجتماعية»، أو «المجتمعات ذات البنية الهرمية» فهي تعطي أهمية للفوارق في المكانة والسلطة، فالأب لا يعتذر لابنه والمدير لا يعتذر للموظف، والمعلم لا يعتذر لطلابه وهكذا..
هذه النظرة الفوقية من قبل البعض للبعض الآخر، هو ما يجعل انتشار ثقافة الاعتذار صعبا، بالإضافة الى غياب ثقافة الحوار وثقافة الاعتراف بوجود الآخر وكينونته.
لذلك تعزيز ثقافة الاعتذار يمكن أن يمهد الطريق لثقافة أعم وأشمل ألا وهي ثقافة التسامح والتعايش واحترام وقبول الآخر، والبداية تكون من البيت أولاً والمدرسة وأخيراً المجتمع. توجد أمثلة لمجتمعات تمارس الاعتذار فرداً وجماعات مثل مجتمع اليابان الذي يرى الباحثين أن الاعتذار لا يعكس لديهم دائماً شعوراً فردياً بالذنب «هل فعلت شيئا خاطئا؟»، بل التزامًا بإعادة الثقة وحماية سمعة الجماعة، ربما كان ينطلق من الشعور بالعار « كيف سيراني الناس»، ولذلك هو واجب اجتماعي.
في ثقافتنا نحتفي بالعفو أكثر مما نحتفي بالاعتذار، وهذه المفارقة قد تفسر لماذا نجد ثقافة التسامح حاضرة في الخطاب، بينما تظل ثقافة الاعتذار أقل حضورًا في الممارسة، رغم تغيير ممارستها في حياة الجيل الجديد الذي لديه وعي أكبر بالصحة النفسية لكنهم يمارسونه بتفكير مختلف لا يهتم بالكرامة والهيبة بل بالقناعة وتحمل المسؤولية، ولعلهم يستطيعون أن يعززوا الاعتذار لمستقبل أفضل.