منصور بن صالح العُمري
إذا أحاطت بالعبد نازلةٌ من نوازل الدنيا، استولت على قلبه، وأقلقت مضجعه، حتى ليكاد يظن أن الحياة قد أغلقت أبوابها دونه؛ وما هي -وإن عظمت- إلا بلاءٌ كتب الله له نهاية، فإن لم يرفعه الفرج، طواه الزمن، ثم ودَّعه عند الكفن. فيا للعجب! كيف ترتجف قلوبنا من همٍّ نعلم أنه سيرحل، ولا ترتجف من يومٍ نعلم أننا إليه راحلون؟! يومٍ لا ينظر المرء فيه إلى ما كان يتمنى، بل إلى ما كان يعمل، ولا يلقى ما نسي، بل ما أحضر، قال تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}. هنالك لا يشتدُّ الأسف على مالٍ فات، ولا على جاهٍ زال، ولا على لذَّةٍ انقضت، ولا على رفقةٍ انقطعت؛ وإنما على ركعةٍ ضيَّعها، أو دمعةٍ حُرم بركتها، أو كلمةٍ جرحت قلبًا، أو ذنبٍ استهان به حتى عظُم عند الله، أو بابِ خيرٍ مرَّ به فأعرض عنه. هنالك يتمنى العبد لو افتدى ذلك الموقف بجميع هموم الدنيا، وأن يعود إليها مثقلًا بكل كربٍ عرفه، ولا يقف بين يدي الله بصحيفةٍ تُثقله.
فيا ليت قلوبنا تخاف من لقاء ذنوبها غدًا، كما تخاف اليوم من لقاء همومها؛ فما من حسنةٍ خفيت، ولا دمعةٍ سالت، ولا تنهيدةِ تائبٍ ارتفعت، ولا ذنبٍ استُتر به، إلا وهو محفوظٌ عند من لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع لديه مثقال ذرة، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.
وما أهونَ هموم الدنيا كلَّها إذا وُضعت إلى جوار همِّ صحيفةٍ تُنشر، وعملٍ يُحضر، وميزانٍ يُنصب؛ فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أشدَّ الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة يُصبغ فيها صبغةً، ثم يُسأل: «هل رأيت بؤسًا قط؟» فيقول: «ما مرَّ بي بؤسٌ قط»؛ وأن أنعم أهل الدنيا من أهل النار يُصبغ فيها صبغةً، فيُسأل: «هل رأيت خيرًا قط؟» فيقول: «لا والله يا رب، ما رأيت خيرًا قط».
فاجعل همَّك الأكبر همَّ النجاة، ولا تجعل هموم الدنيا تصرفك عن همِّ الآخرة. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}.