عبد العزيز بن صالح الفريدي
حين نتحدث عن قطاع المقاولات في المملكة، فإننا لا نتحدث عن شركات تنفذ مشاريع أو عقود تُبرم هنا وهناك، وإنما عن قطاع يقف اليوم في قلب التحول الاقتصادي الذي تعيشه المملكة، ويشكل أحد أهم المحركات التي تدفع عجلة التنمية نحو آفاق غير مسبوقة. فالمشروعات العملاقة التي تشهدها مختلف مناطق المملكة ليست مجرد إنجازات عمرانية، وإنما استثمارات استراتيجية تؤسس لاقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، وتجعل من قطاع المقاولات شريكًا رئيسًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
الأرقام الأخيرة التي أعلنتها الهيئة السعودية للمقاولين تكشف بوضوح حجم هذا الحراك. فوجود أكثر من 117 ألف مقاول مسجل، وترسية مشاريع خلال شهر يونيو تجاوزت قيمتها 29.5 مليار ريال، ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل رسائل تؤكد أن الاقتصاد السعودي يعيش مرحلة توسع تنموي متسارع، وأن الطلب على خدمات المقاولات سيظل في تصاعد مع استمرار تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى.
وما يلفت الانتباه أن هذا النمو لم يعد مقتصرًا على الشركات الكبرى، بل أصبح يشمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي توليها الدولة اهتمامًا خاصًا، إدراكًا منها بأنها تمثل ركيزة أساسية في بناء اقتصاد متوازن. ومن هنا يأتي الدور المهم الذي تضطلع به الهيئة السعودية للمقاولين عبر برامجها المتخصصة، ومنصات مثل «ارتقاء» و»معمار»، التي تجاوزت مفهوم التنظيم الإداري إلى صناعة بيئة احترافية متكاملة ترتقي بجودة الأداء، وتعزز الحوكمة، وترفع كفاءة الشركات الوطنية، وتمكنها من المنافسة على المشاريع الكبرى.
ولا يمكن النظر إلى قطاع المقاولات بمعزل عن بقية القطاعات الاقتصادية، فهو يرتبط بسلسلة طويلة من الأنشطة الإنتاجية والخدمية، بدءًا من الصناعات الوطنية ومواد البناء، مرورًا بالمكاتب الهندسية والاستشارية، وانتهاءً بالنقل والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية. ولذلك فإن كل مشروع جديد يعني فرصًا إضافية للاستثمار، ووظائف جديدة، ونموًا في المحتوى المحلي، وزيادة في مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.
كما أن التوزيع الجغرافي للمشروعات بين المنطقة الشرقية والرياض ومكة المكرمة يعكس نجاح السياسة التنموية في تحقيق التوازن بين مناطق المملكة، ويؤكد أن التنمية لم تعد محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا شاملًا يستهدف تعزيز التنمية الاقتصادية في مختلف المناطق، مستفيدًا من الاستثمارات التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب الشركات الوطنية الكبرى مثل أرامكو السعودية وسابك وغيرها من الجهات الاستثمارية الرائدة.
ولا يكتمل الحديث عن نهضة قطاع المقاولات دون الإشادة بالكفاءات الوطنية السعودية، التي أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على إدارة وتنفيذ أكثر المشاريع تعقيدًا وفق أعلى المعايير العالمية. فقد أصبح المهندس والفني والإداري السعودي عنصرًا فاعلًا في قيادة المشاريع العملاقة، وهو ما يعكس نجاح برامج التأهيل والتدريب وتمكين أبناء وبنات الوطن من المشاركة في صناعة هذا الإنجاز التنموي.
إن ما تحقق في قطاع المقاولات هو ثمرة رؤية طموحة ودعم مستمر من القيادة الرشيدة، وفي مقدمتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي جعل من مشاريع التنمية الشاملة ركيزة لبناء اقتصاد المستقبل. واليوم، لم يعد قطاع المقاولات مجرد منفذ للمشروعات، بل أصبح شريكًا في صناعة النهضة، ومحركًا للنمو، وواجهةً لقدرة المملكة على تحويل الرؤى الكبرى إلى واقع يراه العالم، ويؤكد أن السعودية تمضي بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وريادة.