عبدالرحمن الحضري
في سبعينيات القرن الماضي، وخلال سنوات الطفرة الأولى، انتشرت المحلات التجارية بشتى أنواعها؛ بعد أن استقرت «الدراهم» في أيدي الناس إثر الزيادات في الرواتب بداية عهد الملك خالد رحمه الله، إضافة إلى تدفُق القروض العقارية التي حركت عجلة الاقتصاد والتنمية.
وقبل ذلك، اتسمت الحركة التجارية بالبساطة ومحدودية النشاط؛ إذ كان الحي بأكمله يكتفي بدكان يتيم يعرض أصنافًا قليلة من المواد الغذائية وألعاب الأطفال البسيطة كالبالونات والمصاصات. وفي المدن والمحافظات الصغيرة، بالكاد تجد أكثر من محل واحد لكل حرفة؛ خياط في السوق، وصيدلية واحدة، و«بنشرجي» على أطراف المدينة.. وقس على ذلك. الاستثناء الأبرز من هذه المحدودية كان «القهوة» فالمقاهي لم تكن مجرد مكان لتقديم «برّاد الشاهي» و»الجراك» بل كانت بمثابة استراحة ومحطة مبيت للمسافرين. كان المبيت حينها على كرسي خشبي منسوج بالحبال يكفي ليتمدد عليه رجل واحد، وبأجرة لا تتجاوز الريال! لذلك تجد اثنين أو ثلاثة مقاهي أو أكثر.
مع دخول الطفرة، انتشرت حمّى الثراء السريع، وبات الكثيرون يلهثون خلف لقب «بزنس مان»!
في المقابل، كان التجار الأصليون يميلون إلى البساطة؛ ولا تظهر عليهم علامات الترف الباذخ؛ تجدهم يرتدون «شماغ العقل» وينتعلون «الزبيريات» -أجلكم الله- بينما تنتفخ جيوبهم بالصكوك، وبالأوراق التي توثق مئات الآلاف من الريالات؛ ما بين أثمان بضائع واردة أو صادرة، وما بين ديون متفرقة على فلان وعلان!
كان اللاهثون خلف وهج «البزنس» يعقدون مجالس السمر لتبادل أحاديث التجارة. يطرح أحدهم فكرته بحماس: سأفتتح مطعمًا يقدم المأكولات الشعبية؛ مرقوق، قرصان، مليحية.. لتأتيه دراسة الجدوى الفورية والمجانية من (شلة الأنس) فتدور النقاشات الحامية: يبيلك محل على الشارع العام، تدهنه وتبلطه وتفصّل له «قارمة» (لوحة).. على طاري القارمة، وش رح تسميه؟ يلتفت صاحبنا للشلة: «اختاروا لنا اسم يا شباب» فتنهال المقترحات حتى يُعتمد الاسم المنتظر.
تبقى العقبة الأهم: عقبة التمويل. فـ«البزنس مان» الجديد دفع من راتبه قسط سيارته، واشترى مؤونة بيته، ولم يتبقَّ معه ما يكفي لافتتاح المطعم. لكن دارسي الجدوى حاضرون بالحلول السحرية؛ فاقترحوا عليه الذهاب للتاجر إياه ليستدين منه بنظام «الوِعْدة»!
والوِعْدة: أن تشتري من التاجر أكوامًا من «خياش الرز» بالآجل بقيمة 25 ألف ريال، ثم تبيعها فورًا نقدًا بـ15 ألفًا لتسيير أمورك، على أن تسدد الخمسة وعشرين ألفًا كاملة بعد سنة!
تردد الرجل وخاف من المغامرة، فانتفض اقتصاديو المجلس من حوله يشحذون همته:
ما عليك يا رجّال! إيجار المطعم بستة آلاف، وتأشيرتين عمالة، وبوية وبلاط وقارمة، وإذا نقص عليك شيء قطة من الشباب.. وفي آخر السنة تبيّضها ويكون معك 50 ألف؛ تسدد منها دينك، ويتبقى لك خمسة وعشرين ألف حلال زلال في مخباتك!
اقتنع الرجل بالخطة المحكمة، وتوجه صبيحة اليوم التالي للتاجر. وكعادة التجار، سأله عن الغاية من الاستدانة، فأخبره بمشروع المطعم. دعا له التاجر بالتوفيق، وأخذ عليه صكًا بالدين شهِد عليه اثنان من الحضور.
ولأن المقدمات الخاطئة تقود لنتائج كارثية؛ بعد أشهر قليلة.. خسر المشروع!
عاد صاحبنا منكسرًا يبحث عن مخرج لدى شلة «البزنس» فكان الحل العبقري الجديد منهم لتقليل الخسائر هو: تعليق لوحة قماشية عريضة تُكتب عليها الجملة الشهيرة: «المطعم للتقبيل لعدم التفرغ» ولأنه لا يملك خيارًا آخر، رضخ للأمر وبدأ رحلة البحث عن مشترٍ ليسدد ديونه.
المفارقة المضحكة المبكية، أن أحد الحاضرين من الشلة كان مقتنعًا بأن العيب ليس في دراسة الجدوى، بل في الإدارة! فقرر شراء المطعم. وبعد مفاوضات ومداولات بتدخل من (أباطرة اقتصاد المجلس) تم الاتفاق على البيع بخمسة آلاف ريال! لكن المشتري الجديد.. لا يملك المال أيضًا!
لم يكن أمامه سوى التوجه إلى نفس التاجر ليطلب سلفة جديدة. وعندما سأله التاجر سؤاله المعتاد، أجاب المشتري بكل ثقة: «سأشتري المطعم إياه»!
هنا، تناول التاجر سماعة هاتفه الأرضي، واتصل بالبائع المأزوم قائلاً: سلامات يا ولدي، جاني رجال يبي يتسلف عشان يشتري مطعمك!
فانتفض البائع على الطرف الآخر صارخًا: تكفى يا عم، سلّفه عشان نتمم البيع وأسددك جزء من دينك!
تنتهي القصة هنا.. لكن أسئلتها الحاسمة لا تزال باقية:
هل ما زالت تُهدر الأموال على مشاريع فردية خاسرة تُدار بعقلية (شلة الأنس)؟ خاصة أن المشاريع اليوم لم تعد بالخمسة والعشرة آلاف، بل بمئات الآلاف وبالملايين. كم عدد المقاهي والمطاعم التي تفرّخت بسرعة البرق، ثم أغلقت أبوابها بسرعة أكبر، لتعلق عليها لافتات التقبيل؟!
الحقيقة أننا لا نفتقر للمتخصصين، بل نفتقر للوعي الذي يُسند الأمر لأهله. فالمشورة الموثقة من جهات الاختصاص متوفرة ومتاحة، لكن الاندفاع الأعمى وراء سراب الكسب السريع لا يحطم الآمال فحسب، بل يورث ديونًا لا تمحوها لافتات «التقبيل»؛ لينتهي المطاف بـ«البزنس مان» واضعًا يده على خده، ومرددًا مع طلال مداح:
كل ما دقيت في أرضٍ وتد.. من رداة الحظ وافتني حصاة!
سلطنوا..