محمد سليمان العنقري
أعلن جياني انفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» سحب مقترحه لإنشاء مؤسسة «FFE» الذي كان يهدف إلى نقل إدارة الأنشطة التجارية والتشغيلية للفيفا إلى كيان فرعي، وبمعنى أوضح بيع كأس العالم البطولة التي تعد الأهم والأعلى قيمة معنوية وفنية والأكثر ارتباطاً بذاكرة عشاق كرة القدم إلى كيان تجاري سيحولها لفعالية تعنى فقط بكل ما يزيد من الدخل، وهو ما قد يلغي كل ما رسخ لدى مليارات البشر عن هذه البطولة التي دائماً ما تعتبر الدول أو اللاعبون الحاصلين عليها أنهم سطروا أسماءهم كأفضل من طور اللعبة ليحصدوا هذا اللقب الذي لا يعادله أي إنجاز آخر كقيمة معنوية لا تقاس بثمن مادي.
لكن سحب المقترح لم يكن طوعياً من قبل رئيس الفيفا المنظمة الأكثر تأثيراً بالعالم لما تمثله كرة القدم من شعبية جارفة عالمياً، إنما جاء بعد أن اجتمعت دول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وأعلنت عن رفضها للفكرة، وأنه في حال تم إقرارها فسوف تنحسب اتحادات أوروبا البالغ عددها 55 دولة من جميع مسابقات الفيفا على مستوى البطولات العالمية الخاصة بالرجال والنساء. وأهمية أوروبا التي تمثل دولها 25 بالمائة من عدد أعضاء الفيفا البالغ عددهم 211 دولة ليست في التصويت ضد القرار فقط بل إن انسحابها يعني خسارة 60 بالمائة من موارد الفيفا.
أخطر ما حاول عرابو هذا المشروع عمله لتمريره هو أنهم أغروا اتحادات الدول الأعضاء بتوزيع حصيلة بيع الحصة من الشركة المزمع تأسيسها عليهم بواقع 40 مليون دولار لمرة واحدة، وتسدد على دفعات الأولى 20 مليون مستغلين فقر عدد كبير من تلك الاتحادات مادياً لكسب أصواتها، حيث يحتاجون لتمريره إلى 106 أصوات، أما الفكرة نفسها فهي عبارة تأسيس شركة تمتلك الحقوق التجارية لبطولات كأس العالم سيباع منها 20 بالمائة بقيمة 4,2 مليار دولار على تحالف مستثمرين بقيادة شركة (Thrive Capital) التي أسسها ويقودها رجل الأعمال الأمريكي «جوشوا كوشنر» شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تهديد الانسحاب الأوروبي من كأس العالم والمواقف التي ظهرت من اتحادات قارية أخرى وما قاله المدير التنفيذي في الفيفا إن انفانتينو خدعنا بعدم الشفافية حول هذا الموضوع يوضح خطورة الفكرة التي كانت ستنهي جمالية بطولة كأس العالم، وتسلب متعتها من الجماهير لتحولها لمنتج تجاري ستتغير معالمه وأهدافه مع الزمن للحصول على أفضل عائد، وهو ما يعني القضاء على جمالية هذه اللعبة الجماهيرية والأسس التي قامت عليها لتشكل علاقة وجدانية مع مليارات البشر الدين رأوا فيها المتعة والترفيه وتفجير المواهب لتصبح مشروعاً تجارياً بمعايير رأسمالية متوحشة، وبهذا الموقف الدولي القوي تكون الرأسمالية قد خسرت المواجهة مع العالم العاشق لكرة القدم كما جاءت فكرتها من مهدها.